أحمد دعدوش
12-11-2006, 01:11 PM
بقلم : آمال الرباعي
الجزءالأول
إن موضوع حرية المرأة من المواضيع الذي يتكرر الحديث فيها بمناسبة وبدون مناسبة .
فلا يجد السياسيون حصانا أفضل ولا أجود من موضوع المرأة لتحقيق المكاسب على حساب كل المبادئ.
والمرأة , وللأسف بعيدة عن الموضوع, وحريتها لا تعني لهم سوى رضوخها لنمط الحياة الذي يرسموه لها ثم يطلقون عليه الشعار البراق الذي باسمه تكبل والأجيال التي تربيها , كما تكبل وتنتهك الحرمات في أوطاننا وبنفس الإسم: الحرية.
إن الحرية تقتضي الاختيار بحسب الإرادة الشخصية. فالمرأة الحرة هي التي تختار منهج حياتها بما في ذلك عقيدتها ولباسها . والحرية لا تقيد إلا بالأخلاق العامة التي تتفق عليها الفطرة السليمة.
أسوق هنا مثالا لمدير مدرسة في سويسرا( وهو ناشط سياسي وعضو في مجلس البلدية) عرض عليه موضوع الحجاب في المدارس السويسرية فأجاب: أنا لا يزعجني الحجاب ولا أرى إشكالا في ارتداء بعض البنات له ما يزعجني هو العراء الزائد الذي يجعل الطلاب يفقدون أكثر فأكثر تركيزهم بازدياد إثارة الطالبات لهم" وإن لم يكن مسلما إلا أن فطرته سليمة.
بيد أن بلادي وللأسف غاب عنها أصحاب الفطر السليمة وبخاصة في مؤسسات القرار.
فقد أحرق خطاب السلطة الذي سمح الآن بالسفساري أكثر من 14 سنة من عمر النساء اللاتي كن يستجدين أصحاب القرار أن يبقين على جزء من حجابهن بأي وسيلة كانت ويمكثن في عملهن.
إن الحديث في هذا الموضوع يثير جرحا لم يندمل منذ منعت التدريس سنة 1992 بسبب الحجاب.
كانت الحملة على الحجاب قد بدأت قبل سنتين من ذلك ولكن وبحكم وجودي بإحدى مدن الجنوب وبحكم طبيعة أهل الجنوب المحافظة لم يجرؤ أحد أن يكلمنا عن الحجاب حتى جاءت زيارة وزير التربية والتعليم آنذاك محمد الشرفي فلاحظ وجود محجبات بقاعة الاجتماع وأصدر الأمر بالتطبيق الفوري للمنشور 108 فأصبحنا على أمر لم يكن في حياتي أثقل ولا أعظم منه : أن تقف امرأة أمام مسؤولها الإداري فيطالبها بنزع لباس الحشمة عن رأسها. إنه عار على من أمر وعار على من قال وطلب وعار على من رضي وعار على من سمع ولم يحرك ساكنا لذلك.
أملي ورجائي من الله أن يكون كل من لم يرض بقلبه وذلك أضعف الإيمان ممن تستغفر لهم الملائكة من هذا الذنب العظيم.
قلت يومها لمسؤولي الإداري ردا على وصفه الحجاب باللباس الطائفي أنا لم أتبع أي طائفة بل لبسته بناء على آية سورة النور التي درسناها في المدرسة بالإعدادي والتي تبدأ بقوله تعالى :" سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بيناتٍ" و " وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها" , فالحجاب فريضة على كل مسلمة تؤمن بكتاب الله وسنة نبيه , جاء الأمر به مرتان في بداية السورة فالسورة فُرض كل ماجاء فيها بصورة عامة بعبارة فرضناها أي فرضنا الأحكام التي فيها والحجاب فُرض مرة ثانية وبشكل خاص بلام الأمر.
حاولت عبثا إقناعه بفرضية الحجاب لكنه ما أبدى استعدادا لذلك ، حاولت إقناعه بوسيلة أخرى قلت له : أنا مستعدة أن ألبس لباس جدتي أو جدة أبي حتى أكون مرتبطة بجذوري وأصولي فكل ما هو تقليدي فيه ستر وأنا لا أريد إلا الستر. أنا مستعدة للبس السفساري - وقد لبسته الأستاذة هند شلبي مدرسة الشريعة في العهد البورقيبي إثر صدور منشور 108- فقال لي أنت إذا أصولية متطرفة لك نزعة تحدي ولا تريدين الرضوخ للحاكم.
قلت له أنا ما لبست الحجاب إلا طاعة لله وأنا أبحث معك عن أي حل يرضيكم ويلبي حاجتي وما حاجتي إلا الستر. أجابني السفساري غير عملي وسيسبب لك مشاكل.
كنت مستعدة لكل التحديات لكن لا أنزع الحجاب.
قلت له أنا على استعداد أن ألبس أي لباس مغاربي في إطار الوحدة المغاربية أو أي لباس تقليدي آخر أو أن آتيكم بقطعة قماش تختارون لي تفصيلها والمهم أن تفي بغرض الحجاب. فقال لي أنت تتحدين قرار السلطة بهذا الكلام والوزير قال أنه لا يريد أي مظهر من مظاهر الحجاب في المدارس والمعاهد. لأن الحجاب لباس طائفي مستورد. قلت له هل السروال والقميص أو الفانيلة للنساء لباس تونسي أصيل؟!
كان آخر عهدي بالتدريس هذا اليوم فقد كنا في الأسبوع الأخير من السنة الدراسية وتكرر "الحوار" ثلاثة أيام دون جدوى فتركت العمل.
وعملت بعدها بمكتب إداري بنصف المرتب الذي كنت أتقاضاه من التعليم، لكن عيون المرتزقة التي لا تنام لاحظت مروري المتكرر في الشارع ، مع أنني كنت آخذ بالحيطة وكان الفصل شتاء ، فجاءني أحد الأعوان إلى الشغل حتى يرهب كل من تسول له نفسه توفير عمل لامرأة ترتدي الحجاب ودعاني لمركز البوليس حتى أمضي على التزام بعدم ارتداء الحجاب في المستقبل من أي نوع أوبأي صفة، ذهبت إلى البوليس وغطاء رأسي مربوط على طريقة "الطيارية" أو "الفولار" فذكر البوليس المرتزق لمسؤوليه أنه وجدني بحجاب مثبت " بالمسّاك أو الدبوس" هكذا كان أشباه الرجال يحرسوننا ويهتمون بأدق الأشياء التي تخصنا وتثبت مدى حريتنا في بلدنا الحبيب برغم الداء والأعداء.
كانوا يقولون لي يجب أن يكون الشعر عاري تماما ولديك فرصة يومين كي تستردي بطاقة هويتك بعد الإمضاء على اللإلتزام. هكذا كان حفاظ أمننا يتعاملون مع الحرائر من النساء.
لكن الله سلم ، لم يكن أمامي إلا الدعاء والتوسل إلى الله .
كان الوضع بالنسبة لي ولكل الأخوات أشد من الجمر. "فالقابض على دينه كالقابض على الجمر" كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
إن من يقول بإمكانكم الآن أن تلبسن السفساري لأنه تقليدي أباح لنا مباحا كان قد حرمه، فولي الأمر يمكنه تحريم المباح إن أسرف الناس في استعماله وأضر ذلك بمقاصد الشريعة لكنه مقابل تحريم المباح حرم واجبا سيسأل عنه يوما يجعل الولدان شيبا.
الجزءالأول
إن موضوع حرية المرأة من المواضيع الذي يتكرر الحديث فيها بمناسبة وبدون مناسبة .
فلا يجد السياسيون حصانا أفضل ولا أجود من موضوع المرأة لتحقيق المكاسب على حساب كل المبادئ.
والمرأة , وللأسف بعيدة عن الموضوع, وحريتها لا تعني لهم سوى رضوخها لنمط الحياة الذي يرسموه لها ثم يطلقون عليه الشعار البراق الذي باسمه تكبل والأجيال التي تربيها , كما تكبل وتنتهك الحرمات في أوطاننا وبنفس الإسم: الحرية.
إن الحرية تقتضي الاختيار بحسب الإرادة الشخصية. فالمرأة الحرة هي التي تختار منهج حياتها بما في ذلك عقيدتها ولباسها . والحرية لا تقيد إلا بالأخلاق العامة التي تتفق عليها الفطرة السليمة.
أسوق هنا مثالا لمدير مدرسة في سويسرا( وهو ناشط سياسي وعضو في مجلس البلدية) عرض عليه موضوع الحجاب في المدارس السويسرية فأجاب: أنا لا يزعجني الحجاب ولا أرى إشكالا في ارتداء بعض البنات له ما يزعجني هو العراء الزائد الذي يجعل الطلاب يفقدون أكثر فأكثر تركيزهم بازدياد إثارة الطالبات لهم" وإن لم يكن مسلما إلا أن فطرته سليمة.
بيد أن بلادي وللأسف غاب عنها أصحاب الفطر السليمة وبخاصة في مؤسسات القرار.
فقد أحرق خطاب السلطة الذي سمح الآن بالسفساري أكثر من 14 سنة من عمر النساء اللاتي كن يستجدين أصحاب القرار أن يبقين على جزء من حجابهن بأي وسيلة كانت ويمكثن في عملهن.
إن الحديث في هذا الموضوع يثير جرحا لم يندمل منذ منعت التدريس سنة 1992 بسبب الحجاب.
كانت الحملة على الحجاب قد بدأت قبل سنتين من ذلك ولكن وبحكم وجودي بإحدى مدن الجنوب وبحكم طبيعة أهل الجنوب المحافظة لم يجرؤ أحد أن يكلمنا عن الحجاب حتى جاءت زيارة وزير التربية والتعليم آنذاك محمد الشرفي فلاحظ وجود محجبات بقاعة الاجتماع وأصدر الأمر بالتطبيق الفوري للمنشور 108 فأصبحنا على أمر لم يكن في حياتي أثقل ولا أعظم منه : أن تقف امرأة أمام مسؤولها الإداري فيطالبها بنزع لباس الحشمة عن رأسها. إنه عار على من أمر وعار على من قال وطلب وعار على من رضي وعار على من سمع ولم يحرك ساكنا لذلك.
أملي ورجائي من الله أن يكون كل من لم يرض بقلبه وذلك أضعف الإيمان ممن تستغفر لهم الملائكة من هذا الذنب العظيم.
قلت يومها لمسؤولي الإداري ردا على وصفه الحجاب باللباس الطائفي أنا لم أتبع أي طائفة بل لبسته بناء على آية سورة النور التي درسناها في المدرسة بالإعدادي والتي تبدأ بقوله تعالى :" سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بيناتٍ" و " وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها" , فالحجاب فريضة على كل مسلمة تؤمن بكتاب الله وسنة نبيه , جاء الأمر به مرتان في بداية السورة فالسورة فُرض كل ماجاء فيها بصورة عامة بعبارة فرضناها أي فرضنا الأحكام التي فيها والحجاب فُرض مرة ثانية وبشكل خاص بلام الأمر.
حاولت عبثا إقناعه بفرضية الحجاب لكنه ما أبدى استعدادا لذلك ، حاولت إقناعه بوسيلة أخرى قلت له : أنا مستعدة أن ألبس لباس جدتي أو جدة أبي حتى أكون مرتبطة بجذوري وأصولي فكل ما هو تقليدي فيه ستر وأنا لا أريد إلا الستر. أنا مستعدة للبس السفساري - وقد لبسته الأستاذة هند شلبي مدرسة الشريعة في العهد البورقيبي إثر صدور منشور 108- فقال لي أنت إذا أصولية متطرفة لك نزعة تحدي ولا تريدين الرضوخ للحاكم.
قلت له أنا ما لبست الحجاب إلا طاعة لله وأنا أبحث معك عن أي حل يرضيكم ويلبي حاجتي وما حاجتي إلا الستر. أجابني السفساري غير عملي وسيسبب لك مشاكل.
كنت مستعدة لكل التحديات لكن لا أنزع الحجاب.
قلت له أنا على استعداد أن ألبس أي لباس مغاربي في إطار الوحدة المغاربية أو أي لباس تقليدي آخر أو أن آتيكم بقطعة قماش تختارون لي تفصيلها والمهم أن تفي بغرض الحجاب. فقال لي أنت تتحدين قرار السلطة بهذا الكلام والوزير قال أنه لا يريد أي مظهر من مظاهر الحجاب في المدارس والمعاهد. لأن الحجاب لباس طائفي مستورد. قلت له هل السروال والقميص أو الفانيلة للنساء لباس تونسي أصيل؟!
كان آخر عهدي بالتدريس هذا اليوم فقد كنا في الأسبوع الأخير من السنة الدراسية وتكرر "الحوار" ثلاثة أيام دون جدوى فتركت العمل.
وعملت بعدها بمكتب إداري بنصف المرتب الذي كنت أتقاضاه من التعليم، لكن عيون المرتزقة التي لا تنام لاحظت مروري المتكرر في الشارع ، مع أنني كنت آخذ بالحيطة وكان الفصل شتاء ، فجاءني أحد الأعوان إلى الشغل حتى يرهب كل من تسول له نفسه توفير عمل لامرأة ترتدي الحجاب ودعاني لمركز البوليس حتى أمضي على التزام بعدم ارتداء الحجاب في المستقبل من أي نوع أوبأي صفة، ذهبت إلى البوليس وغطاء رأسي مربوط على طريقة "الطيارية" أو "الفولار" فذكر البوليس المرتزق لمسؤوليه أنه وجدني بحجاب مثبت " بالمسّاك أو الدبوس" هكذا كان أشباه الرجال يحرسوننا ويهتمون بأدق الأشياء التي تخصنا وتثبت مدى حريتنا في بلدنا الحبيب برغم الداء والأعداء.
كانوا يقولون لي يجب أن يكون الشعر عاري تماما ولديك فرصة يومين كي تستردي بطاقة هويتك بعد الإمضاء على اللإلتزام. هكذا كان حفاظ أمننا يتعاملون مع الحرائر من النساء.
لكن الله سلم ، لم يكن أمامي إلا الدعاء والتوسل إلى الله .
كان الوضع بالنسبة لي ولكل الأخوات أشد من الجمر. "فالقابض على دينه كالقابض على الجمر" كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
إن من يقول بإمكانكم الآن أن تلبسن السفساري لأنه تقليدي أباح لنا مباحا كان قد حرمه، فولي الأمر يمكنه تحريم المباح إن أسرف الناس في استعماله وأضر ذلك بمقاصد الشريعة لكنه مقابل تحريم المباح حرم واجبا سيسأل عنه يوما يجعل الولدان شيبا.