المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من الذي قتل فاطمة؟!


أحمد دعدوش
03-16-2006, 02:06 PM
هل تذكرون فاطمة ساهيندال؟ تلك الفتاة التي قلبت السويد رأسا على عقب عام 2002 وهي في السادسة والعشرين من عمرها؟
إنها الشابة السويدية من أصل كردي، والتي هاجرت مع عائلتها إلى بلاد الفايكنغ هرباً من العراق، حيث لم تلبث أن تأقلمت مع ثقافة البلد الجديد، فبدأت بالتمرد على والديها، واتخذت لنفسها عشيقا سويدياً رغم معارضتهم.
إنها فاطمة التي لم ترضخ لتهديد عائلتها لثنيها عن تصرفاتها، ولم تكتف بالفرار مع صديقها، بل لجأت إلى المحكمة لتتقدم بشكوى ضد كل من والدها وأخيها اللذين توعّداها بالقتل، ثم قضت السنوات الثلاث التالية في سعي دؤوب بين المراكز الاجتماعية والمدارس في طول البلاد وعرضها منددة بسلوك العائلات المسلمة المهاجرة في السويد وبقمعها للفتيات المسلمات الراغبات في العيش على الطريقة الأوربية.
إنها فاطمة التي تلقفتها وسائل الإعلام السويدية وفتحت لها أبواب الشهرة على مصاريعها، جاعلة من قصة فاطمة (فاديم) قضية وطنية، وهو الأمر الذي لم يحتمله والدها الذي تضاعفت مصيبته بفقده فلذة كبده، وبتلطخ سمعته بالعار، ثم بالضغط عليه بحملات التشهير الواسعة التي عمت أرجاء البلاد.
إنها فاطمة التي استفزت والدها المفجوع وأثارت فيه حمية الجاهلية، ولم تترك له خياراً آخر يعيد به ماء وجهه، فما كان منه إلا أن أرداها قتيلة على قارعة الطريق، مؤكدا لها ولأنصارها تلك المخاوف التي طالما استدرّت بها عطفهم: "لا بد وأن ألقى ذلك المصير الأسود الذي سيعيد لعائلتي الاعتبار والاحترام في المجتمع الكرديّ".
إنها فاطمة التي انفجر نبأ مقتلها كالقنبلة في أرجاء السويد، والتي حظيت بخروج أكثر من ألف وخمسمئة مشيع خلف تابوتها، تتصدرهم كل من ولية عهد السويد فيكتوريا ورئيسة البرلمان بيرغيتا دال ووزيرة الاندماج منى سالين. وهي التي نقلت وسائل الإعلام صور جنازتها ونصوص خطابات مشيعيها، إلى جانب صورة أمها المفجوعة التي جلست في وقار إلى يسار نعشها غير آبهة بكل هذا الضجيج، وذارفة الدموع الحارقة لسماعها مقطوعة (فاطمة) التي عزفها أحد الشباب الأكراد.
إنها فاطمة التي تحققت وصيتها بالدفن في "كنيسة" أوبسالا، والتي تدلت لنعشها عشرة آلاف قرنفلة بيضاء من المذبح، وصدحت لمقتلها الموسيقا الجنائزية. وهي التي سرعان ما انفض الجمع عن قبرها الذي تحول إلى مزار، وتُرك أمر باطنه إلى المجهول، وألقي والدها في السجن ليراجع نفسه طوال السنين المتبقية من حياته البائسة.

إزاء هذه المأساة، آثرت أن أصوغ شيئاً من الأشجان بشعر أرثي فيه فاطمة وأباها وأسرتها وقومها، ثم أهنئ عشيقها وأباه وأسرته وقومه، وأترك التعليق لكم أيها الأحبة ولآبائكم وأسركم وأقوامكم، مع اعتذاري عن ركاكة الأسلوب لقدم القصيدة، فقد كان القلم آنذاك غضا لم يشتد عوده، تاركا السؤال الذي لم أفلح في الإجابة عنه:

من الذي قتل فاطمة؟!
رحلت فاطمة..
ورحلت معها أحلامها..
كأكمام الزهور..
لم تنضج بعد..
لتتفتق..
وتنثر عبقها بين المروج..

ذهبت فاطمة..
وغرزت في القلب نصلا جارحا..
ليقطر منه الدم..
ممزوجا بالدموع..

سقطت فاطمة..
وجلل شعرها الكحلي قمم الجبال الشامخات..
فانحنت هاماتها..
تبكي..
ليملأ دمعها الوديان..
وقيعان السهول..

سكتت فاطمة..
وأخمد صمت عينيها ضياء الشمس..
لتذبل الأزهار..
وتسقط الأغصان..
وتبكيها الورود..

رقدت فاطمة..
وأسهدت لبكائها..
عيون الثكالى..
واليتامى..
والكهول..

حُملت فاطمة..
شيعتها أبواق الجنائز..
وترانيم الغواني..
ورثاء الشواعر..
وأكاليل الزهور..

دُفنت فاطمة..
في زوايا الأرض..
غاصت..
وأكوام التراب تٌغيّب الجسد الطري..
فلا عشيقاً..
ولا أنيساً..
في القبور..

تُركت فاطمة..
وانفض عنها الجمع..
يجرجر الأحزان..
ويلعن اليد السوداء..
إذ امتدت..
إلى الصدر البتول..

غابت فاطمة..
غيبتها الأرض في أحشائها..
وغاب قلب بائس..
ينتشي شوقا..
لذكرى البُنيّة..
خلف قضبان السجون..

ضاعت فاطمة..
وضاع حلم صغير بائس..
في عين ثكلى رُمّلت..
وأنينُ أطفال يتامى..
يصدح..
في بلاد العجم..
ويقطع..
نياط القلوب..

طُويت فاطمة..
في ظلام الليل..
وسكّير الحي يبكي..
والقوم..
همّوا بالرجوع..

قتلوا فاطمة..
دفنوا فاطمة..
بكوا فاطمة..
وعبدوا فاطمة..
وسكّير الحي يزبد ويرغي..
والقوم..
همّوا بالرجوع..

نسوا فاطمة..
وسكّير الحي يهذي..
وعين الأم تهمي..
والحزن يأوي للظلام..
في دهاليز السجون..
وظلمات القبور..

1/ سبتمبر/ 2002

reem
04-12-2006, 08:23 AM
قصيدة رائعة بارك الله فيكم

آمنة
08-03-2006, 01:45 PM
جميل ومعبر
;)

أحمد دعدوش
10-27-2006, 10:55 AM
الأختين آمنة وريم أشكركما على متابعة كل ما ينشر في الموقع واهتمامكما به.
وأشكركم كثيرا على المرور والتعليق.