أحمد دعدوش
04-17-2006, 05:27 PM
المرأة العربية بين أعراف مجتمعها وثوابت الإسلام
أمة السلام أحمد رجاء
نقلا عن مجلة إسلامية المعرفة العدد 37- 38
مقدمة
شاءت حكمة الله سبحانه أن يخلق الإنسان ابتلاءً واختباراً وتحقيقاً للاستخلاف في الأرض، وأن يحمّل مسؤولية ذلك الرجال والنساء على حدٍ سواء. قال تعالى وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة. (البقرة:30) وقال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ... (فاطر:39) وجاء أول تكليف إلهي موجه للرجل والمرأة على حد سواء، قال تعالى: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ. (البقرة: 35) ومن رحمته بخلقه أنه لم يكلهم إلى أنفسهم وأهوائهم فشرع لهم من الأحكام ما تتحقق به سعادتهم في الدنيا والآخرة. فمن سار على هداه سعد وارتقى، ومن نكص على عقبيه مخالفاً هدي ربه- ضل وشقي. قال تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (طه: 123). واليوم نرى الابتعاد عن منهج الله في التعامل مع كثير من القضايا، فوصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه من الضعف والتخلف والتبعية. ومن ذلك قضايا المرأة والواقعة تحت تأثير نقيضين إما موروث مبتدع أو وافد فاسد، فصارت أعرافاً أخذت تتحكم في تصورات الناس للمرأة وتعاملهم مع قضاياها بما يتعارض مع ثوابت الشريعة وأحكامها.
وقد جاءت هذه الدراسة التأصيلية بهدف بيان العلاقة بين العرف والشرع، وكيفية تعامل الشريعة مع الأعراف السائدة في عصر التنـزيل لنجعل من ذلك منهجاً لنا في التعامل مع الأعراف المختلفة السائدة في أي مجتمع اليوم سواء أكانت أعرافاً موروثة أم أعرافاً وافدة. كما تهدف إلى ذكر نماذج من الأعراف السائدة في المجتمعات العربية قديماً وحديثاً وبيان مخالفتها لثوابت الشريعة لتقلع عنها المجتمعات وتعود إلى منهج ربها.
وقد تتبعت الجانب النظري من هذا البحث في أمهات كتب أصول الفقه وكذا مراجعه الحديثة، وأضفت إليه ما أرشدني إليه اجتهادي. كما تتبعت نماذج من الأعراف المتعلقة بالمرأة في المجتمعات العربية واقتصرت على بعض منها ووزْنه بميزان ثوابت الشريعة مبينة تعارضها معها.
وقد تناولت موضوعي هذا من خلال ثلاثة مباحث: جعلت الأول منها مبحثاً تمهيدياً تناولت فيه تعريف المصطلحات، وأقسام العرف. وخصصت الثاني لبيان العلاقة بين العرف والشرع. وتناولت في الثالث نماذج من الأعراف السائدة قديماً وحديثاً في المجتمعات العربية وبيان مخالفتها لثوابت الشريعة.
أولاً: تعريف المصطلحات
الثوابت، لغة: جمع ثابت وهو بمعنى الشيء الساكن الذي لا يبرح مكانه فهو ثابت مستقر غير قابل للتغيير. وثوابت الإسلام اصطلاحاً: هي القطعيات، أي ما ثبت بنصوص قطعية الثبوت والدلالة من الكتاب والسنة أو الإجماع الصريح الذي له صفة التأبيد ، فلا مجال للتطوير أو الاجتهاد فيها، كما يحرم الاختلاف فيها أو مخالفتها. وإن كان لفظ الثوابت من المصطلحات الحديثة إلا أن مدلوله قديم؛ فقد قال الإمام الشافعي: "كل ما أقام به الله الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصاً بيِّناً لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه." وأورده شيخ الإسلام ابن تيمية بمسمى الشرع المنـزل -في مقابل الشرع المؤوّل- حيث قال رحمه الله: "لفظ الشرع في هذه الأزمنة ثلاثة أقسام: أحدهما الشرع المنـزل، وهو الكتاب والسنة واتباعه واجب، ومن خرج عنه وجب قتله، ويدخل فيه أصول الدين وفروعه، وسياسة الأمراء... وغير ذلك، فليس لأحد من الأولين والآخرين خروج عن طاعة الله ورسوله. والثاني الشرع المؤوّل وهو موارد النـزاع والاجتهاد بين الأمة، فمن أخذ فيما يسوغ فيه الاجتهاد أقرّ عليه ولم تجب على جميع الخلق موافقته إلا بحجة لا مرد لها من الكتاب والسنة."
ونخلص مما سبق أن ثوابت الإسلام هي ما جاءت به النصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، أو الإجماع الصريح، والتي لا مجال للاجتهاد فيها، ولا تختلف فيها الأفهام، ولا تتغير بتغير الزمان والمكان والحال. فالأحكام المبنية عليها تتصف بالدوام والاستقرار، وأضيف إلى ذلك في هذا الموضوع بعض ما ثبت بدليل ظنّي راجح بحيث تكون مخالفته نوع من الشذوذ أو الزلل.
ولا يخفى أن في شريعتنا الإسلامية ثوابت وقيماً حاكمة لا ينبغي تخطيها عند التعامل مع المرأة مثل الحرية والمساواة والعدالة، وغيرها؛ حيث نجد أن الشريعة تقرر حرية الإنسان (ذكراً وأنثى) في اعتقاد ما يختاره بعد أن بيّن لهم الخير والشر والحق والضلال. قال تعالى: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ... (البقرة: 256). وأثبتت الشريعة استقلالية شخصية المرأة في اختيارها بين الإيمان والكفر. قال تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ. وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. (التحريم: 10-11)
ومن العدالة أن الأصل في تقرير وضع المرأة مقارناً بوضع الرجل هو التسوية بينها، إلا ما دلت النصوص على الاختلاف فيه ومن صور العدالة والمساواة بينهما: المساواة في أصل الخِلقة والنشأة، والمساواة في التكريم، والمساواة في حق الحياة، والمساواة في التكليف الشرعي والجزاء الأخروي دونما فارق بينهما، والتساوي في الحدود والعقوبات الشرعية، والمساواة في أهلية التصرفات والتعاقدات المالية.
وما هذا إلا إشارة إلى أهم الثوابت في التعامل مع المرأة، لأن هذا البحث لم يخصص لحصر الثوابت المتعلقة بالمرأة بقدر ما اهتم بذكر نماذج من الأعراف السائدة في المجتمعات العربية، والتي تحكم وتؤثر في التعامل مع المرأة ووزنها بميزان ثوابت الشريعة.
والعرف في أصل اللغة بمعنى المعرفة، واستعمل بمعنى الشيء المألوف المستحسن والذي تتلقاه العقول السليمة بالقبول. والعرف ضد النُّكر، والمعروف ضد المنكر. وقال ابن فارس: "العين والراء والفاء أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تتابع الشيء متصلاً بعضه ببعض، والآخر على السكون والطمأنينة."
والعرف في الاصطلاح هو ما اعتاده الناس وألفوه من قول أو فعل أو ترك و تكرر مرة بعد أخرى حتى سارت عليه أمورهم وتلقته عقولهم بالقبول. وقيل في تعريفه: ما استقرت عليه نفوس الناس وتلقته طباعهم السليمة بالقبول وصار عندهم شائعاً في جميع البلاد أو بعضها قولاً كان أو فعلاً.
أما العادة فهي ما اعتاده الفرد والجماعة وتكرر مرة بعد أخرى من قول أو فعل، وكثير من الأصوليين لم يفرقوا بين العرف والعادة واعتبروهما مترادفين، وكثير منهم حين يذكر العرف يقرنه بالعادة. وقد جاء في مصادر التشريع: "العرف والعادة في لسان الشرعيين لفظان مترادفان معناهما واحد." ومن العلماء من فرَّق بينهما فخصَّ العرف بالقول والعادة بالعرف العملي، وفيهم من فرّق بأن العادة أعم من العرف لأن العادة تطلق على العادة الجماعية كما تطلق على العادة الفردية، فيكون كل عرف عادة وليس كل عادة عرفاً.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن العرف ينقسم إلى أقسام عدة باعتبارات مختلفة، إذ ينقسم باعتبار موافقته لأحكام الشريعة ومقاصدها أو مخالفته إلى قسمين، فالموافق عرف صحيح، والمخالف عرف فاسد. وينقسم باعتبار موضوعه ومتعلقه إلى عرف لفظي (قولي) وهو ما تعارف عليه الناس في أقوالهم دون أفعالهم وعرف عملي (فعلي) وهو عكس سابقه.
وينقسم باعتبار كونه عامّاً أو خاصاً إلى عرف عام منتشر في جميع البلاد وبين جميع الناس في أمر من الأمور، وعرف خاص بأهل بلد دون آخر أو منطقة دون أخرى أو بين فئة من الناس دون أخرى. وأضيف إلى هذا التقسيم العرف اللفظي الشرعي، وهو خاص بالألفاظ التي استعملها الشرع مريداً منها معنى خاص غير الذي وضعت له في اللغة.
ثانياً: العلاقة بين العرف والشرع
لا خلاف بين العلماء في أن العرف الصحيح مصدر من مصادر التشريع التي يستند إليها في استنباط الأحكام إذا لم يخالف ثوابت الشريعة ومقاصدها. وقد أشار القرافي إلى هذا المعني بقولـه: "أما العرف فمشترك بين المذاهب ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك فيها."
ومن العبارات المشتهرة عندهم: "الثابت بالعرف كالثابت بالنص"، كما يقولون: "العادة شريعة محكّمة" أي معمول بها شرعاً؛ و"المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً." ولما للعرف من أهمية نجد أن الشريعة الإسلامية- وهي دين الفطرة- قد راعته في كثير من الأحكام، فجعلت الدية على العاقلة، وبنت الولاية في الزواج والإرث على العصبة، واشترطت الكفاءة في الزواج، وقد ألف العلامة المرحوم ابن عابدين رسالة سماها: "نشر العَرف فيما بني من الأحكام على العُرف."
ومن أدلتهم على ذلك قول الله : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين (الأعراف: 199). ووجه الاستدلال أن الله أمر نبيه بالعرف وهو ما تعارفه الناس واستطابته نفوسهم فالعمل به مقتضى الأمر. وقوله لهند زوج أبي سفيان حين شكت إليه تقتير زوجها عليها وعدم إعطائها ما يجب عليه من النفقة: "خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف"؛ فقد جعل العرف محدداً وضابطاً للواجب الذي يحدد بنص الشرع أو بقضاء القاضي. وعن ابن مسعود قوله: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن). والبعض يعتبر العرف مصدراً مستقلاً من مصادر التشريع، وبعضهم يعده من قبيل مراعاة المصلحة المرسلة، والتي تعد من مصادر التشريع. وهكذا نجد أن الجميع اعتبر العرف الصحيح حجة شرعية ومصدراً من مصادر التشريع، سواء أكان مصدراً مستقلاً أم غير مستقل. ولا خلاف أيضاً في أن العرف الفاسد لا يراعي في التشريع ولا يجوز العمل به -بل يجب رفضه ومقاومته وإعلان الحرب عليه.
أمة السلام أحمد رجاء
نقلا عن مجلة إسلامية المعرفة العدد 37- 38
مقدمة
شاءت حكمة الله سبحانه أن يخلق الإنسان ابتلاءً واختباراً وتحقيقاً للاستخلاف في الأرض، وأن يحمّل مسؤولية ذلك الرجال والنساء على حدٍ سواء. قال تعالى وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة. (البقرة:30) وقال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ... (فاطر:39) وجاء أول تكليف إلهي موجه للرجل والمرأة على حد سواء، قال تعالى: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ. (البقرة: 35) ومن رحمته بخلقه أنه لم يكلهم إلى أنفسهم وأهوائهم فشرع لهم من الأحكام ما تتحقق به سعادتهم في الدنيا والآخرة. فمن سار على هداه سعد وارتقى، ومن نكص على عقبيه مخالفاً هدي ربه- ضل وشقي. قال تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (طه: 123). واليوم نرى الابتعاد عن منهج الله في التعامل مع كثير من القضايا، فوصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه من الضعف والتخلف والتبعية. ومن ذلك قضايا المرأة والواقعة تحت تأثير نقيضين إما موروث مبتدع أو وافد فاسد، فصارت أعرافاً أخذت تتحكم في تصورات الناس للمرأة وتعاملهم مع قضاياها بما يتعارض مع ثوابت الشريعة وأحكامها.
وقد جاءت هذه الدراسة التأصيلية بهدف بيان العلاقة بين العرف والشرع، وكيفية تعامل الشريعة مع الأعراف السائدة في عصر التنـزيل لنجعل من ذلك منهجاً لنا في التعامل مع الأعراف المختلفة السائدة في أي مجتمع اليوم سواء أكانت أعرافاً موروثة أم أعرافاً وافدة. كما تهدف إلى ذكر نماذج من الأعراف السائدة في المجتمعات العربية قديماً وحديثاً وبيان مخالفتها لثوابت الشريعة لتقلع عنها المجتمعات وتعود إلى منهج ربها.
وقد تتبعت الجانب النظري من هذا البحث في أمهات كتب أصول الفقه وكذا مراجعه الحديثة، وأضفت إليه ما أرشدني إليه اجتهادي. كما تتبعت نماذج من الأعراف المتعلقة بالمرأة في المجتمعات العربية واقتصرت على بعض منها ووزْنه بميزان ثوابت الشريعة مبينة تعارضها معها.
وقد تناولت موضوعي هذا من خلال ثلاثة مباحث: جعلت الأول منها مبحثاً تمهيدياً تناولت فيه تعريف المصطلحات، وأقسام العرف. وخصصت الثاني لبيان العلاقة بين العرف والشرع. وتناولت في الثالث نماذج من الأعراف السائدة قديماً وحديثاً في المجتمعات العربية وبيان مخالفتها لثوابت الشريعة.
أولاً: تعريف المصطلحات
الثوابت، لغة: جمع ثابت وهو بمعنى الشيء الساكن الذي لا يبرح مكانه فهو ثابت مستقر غير قابل للتغيير. وثوابت الإسلام اصطلاحاً: هي القطعيات، أي ما ثبت بنصوص قطعية الثبوت والدلالة من الكتاب والسنة أو الإجماع الصريح الذي له صفة التأبيد ، فلا مجال للتطوير أو الاجتهاد فيها، كما يحرم الاختلاف فيها أو مخالفتها. وإن كان لفظ الثوابت من المصطلحات الحديثة إلا أن مدلوله قديم؛ فقد قال الإمام الشافعي: "كل ما أقام به الله الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصاً بيِّناً لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه." وأورده شيخ الإسلام ابن تيمية بمسمى الشرع المنـزل -في مقابل الشرع المؤوّل- حيث قال رحمه الله: "لفظ الشرع في هذه الأزمنة ثلاثة أقسام: أحدهما الشرع المنـزل، وهو الكتاب والسنة واتباعه واجب، ومن خرج عنه وجب قتله، ويدخل فيه أصول الدين وفروعه، وسياسة الأمراء... وغير ذلك، فليس لأحد من الأولين والآخرين خروج عن طاعة الله ورسوله. والثاني الشرع المؤوّل وهو موارد النـزاع والاجتهاد بين الأمة، فمن أخذ فيما يسوغ فيه الاجتهاد أقرّ عليه ولم تجب على جميع الخلق موافقته إلا بحجة لا مرد لها من الكتاب والسنة."
ونخلص مما سبق أن ثوابت الإسلام هي ما جاءت به النصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، أو الإجماع الصريح، والتي لا مجال للاجتهاد فيها، ولا تختلف فيها الأفهام، ولا تتغير بتغير الزمان والمكان والحال. فالأحكام المبنية عليها تتصف بالدوام والاستقرار، وأضيف إلى ذلك في هذا الموضوع بعض ما ثبت بدليل ظنّي راجح بحيث تكون مخالفته نوع من الشذوذ أو الزلل.
ولا يخفى أن في شريعتنا الإسلامية ثوابت وقيماً حاكمة لا ينبغي تخطيها عند التعامل مع المرأة مثل الحرية والمساواة والعدالة، وغيرها؛ حيث نجد أن الشريعة تقرر حرية الإنسان (ذكراً وأنثى) في اعتقاد ما يختاره بعد أن بيّن لهم الخير والشر والحق والضلال. قال تعالى: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ... (البقرة: 256). وأثبتت الشريعة استقلالية شخصية المرأة في اختيارها بين الإيمان والكفر. قال تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ. وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. (التحريم: 10-11)
ومن العدالة أن الأصل في تقرير وضع المرأة مقارناً بوضع الرجل هو التسوية بينها، إلا ما دلت النصوص على الاختلاف فيه ومن صور العدالة والمساواة بينهما: المساواة في أصل الخِلقة والنشأة، والمساواة في التكريم، والمساواة في حق الحياة، والمساواة في التكليف الشرعي والجزاء الأخروي دونما فارق بينهما، والتساوي في الحدود والعقوبات الشرعية، والمساواة في أهلية التصرفات والتعاقدات المالية.
وما هذا إلا إشارة إلى أهم الثوابت في التعامل مع المرأة، لأن هذا البحث لم يخصص لحصر الثوابت المتعلقة بالمرأة بقدر ما اهتم بذكر نماذج من الأعراف السائدة في المجتمعات العربية، والتي تحكم وتؤثر في التعامل مع المرأة ووزنها بميزان ثوابت الشريعة.
والعرف في أصل اللغة بمعنى المعرفة، واستعمل بمعنى الشيء المألوف المستحسن والذي تتلقاه العقول السليمة بالقبول. والعرف ضد النُّكر، والمعروف ضد المنكر. وقال ابن فارس: "العين والراء والفاء أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تتابع الشيء متصلاً بعضه ببعض، والآخر على السكون والطمأنينة."
والعرف في الاصطلاح هو ما اعتاده الناس وألفوه من قول أو فعل أو ترك و تكرر مرة بعد أخرى حتى سارت عليه أمورهم وتلقته عقولهم بالقبول. وقيل في تعريفه: ما استقرت عليه نفوس الناس وتلقته طباعهم السليمة بالقبول وصار عندهم شائعاً في جميع البلاد أو بعضها قولاً كان أو فعلاً.
أما العادة فهي ما اعتاده الفرد والجماعة وتكرر مرة بعد أخرى من قول أو فعل، وكثير من الأصوليين لم يفرقوا بين العرف والعادة واعتبروهما مترادفين، وكثير منهم حين يذكر العرف يقرنه بالعادة. وقد جاء في مصادر التشريع: "العرف والعادة في لسان الشرعيين لفظان مترادفان معناهما واحد." ومن العلماء من فرَّق بينهما فخصَّ العرف بالقول والعادة بالعرف العملي، وفيهم من فرّق بأن العادة أعم من العرف لأن العادة تطلق على العادة الجماعية كما تطلق على العادة الفردية، فيكون كل عرف عادة وليس كل عادة عرفاً.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن العرف ينقسم إلى أقسام عدة باعتبارات مختلفة، إذ ينقسم باعتبار موافقته لأحكام الشريعة ومقاصدها أو مخالفته إلى قسمين، فالموافق عرف صحيح، والمخالف عرف فاسد. وينقسم باعتبار موضوعه ومتعلقه إلى عرف لفظي (قولي) وهو ما تعارف عليه الناس في أقوالهم دون أفعالهم وعرف عملي (فعلي) وهو عكس سابقه.
وينقسم باعتبار كونه عامّاً أو خاصاً إلى عرف عام منتشر في جميع البلاد وبين جميع الناس في أمر من الأمور، وعرف خاص بأهل بلد دون آخر أو منطقة دون أخرى أو بين فئة من الناس دون أخرى. وأضيف إلى هذا التقسيم العرف اللفظي الشرعي، وهو خاص بالألفاظ التي استعملها الشرع مريداً منها معنى خاص غير الذي وضعت له في اللغة.
ثانياً: العلاقة بين العرف والشرع
لا خلاف بين العلماء في أن العرف الصحيح مصدر من مصادر التشريع التي يستند إليها في استنباط الأحكام إذا لم يخالف ثوابت الشريعة ومقاصدها. وقد أشار القرافي إلى هذا المعني بقولـه: "أما العرف فمشترك بين المذاهب ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك فيها."
ومن العبارات المشتهرة عندهم: "الثابت بالعرف كالثابت بالنص"، كما يقولون: "العادة شريعة محكّمة" أي معمول بها شرعاً؛ و"المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً." ولما للعرف من أهمية نجد أن الشريعة الإسلامية- وهي دين الفطرة- قد راعته في كثير من الأحكام، فجعلت الدية على العاقلة، وبنت الولاية في الزواج والإرث على العصبة، واشترطت الكفاءة في الزواج، وقد ألف العلامة المرحوم ابن عابدين رسالة سماها: "نشر العَرف فيما بني من الأحكام على العُرف."
ومن أدلتهم على ذلك قول الله : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين (الأعراف: 199). ووجه الاستدلال أن الله أمر نبيه بالعرف وهو ما تعارفه الناس واستطابته نفوسهم فالعمل به مقتضى الأمر. وقوله لهند زوج أبي سفيان حين شكت إليه تقتير زوجها عليها وعدم إعطائها ما يجب عليه من النفقة: "خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف"؛ فقد جعل العرف محدداً وضابطاً للواجب الذي يحدد بنص الشرع أو بقضاء القاضي. وعن ابن مسعود قوله: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن). والبعض يعتبر العرف مصدراً مستقلاً من مصادر التشريع، وبعضهم يعده من قبيل مراعاة المصلحة المرسلة، والتي تعد من مصادر التشريع. وهكذا نجد أن الجميع اعتبر العرف الصحيح حجة شرعية ومصدراً من مصادر التشريع، سواء أكان مصدراً مستقلاً أم غير مستقل. ولا خلاف أيضاً في أن العرف الفاسد لا يراعي في التشريع ولا يجوز العمل به -بل يجب رفضه ومقاومته وإعلان الحرب عليه.