didi
04-20-2006, 01:27 PM
محمد عبد الله الغبشاوي
قصّ أحد أساتذتنـا الراحلين ـ رحمهم الله ـ على مسامعنا حكاية طريفة أيام الطلب الجامعي؛ والحكاية متصلة بأحد المتفرنجين في عائلتهم؛ ممن منَّ الله عليهم بنعمة الهداية بعد ضلال عريض طويل، وقد احتفى به مجتمع ذلك المكان احتفاء شديداً، لا سيما وأنه صار من المواظبين على صلاة الجماعة، وأصبح أشبه بحمامة المسجد، بيد أنه أذهل رواد ذلك المسجد إبان مناسبة أعياد ميلاد السيد المسيح؛ فقد حضر المصلون في تلك الليلة ليفاجأوا بالمسجد، وقد أنيرت فيه شجرة عيد الميلاد، مما لم يعهدوا مثله، وأخذ يسائل كل واحد منهم الآخر عن صاحب تلك " البدعة ". وحين حضر صاحبنـا " المهتدي "، علموا منه أنه هو الفاعل، وفوجئوا باستنكار استنكارهم، من الرجل الذي أبدى شعوره بالصدمة من عدم تجاوب جمهور المصلين؛ إذ كان يعتقد يقينـاً أنه يقوم بقربة من القربات لله !!
تذكرت تلك القصة وأنا أرى لوحة بهية جميلة، تنافست فيها ضروب الألوان، وزاحمت فيها تقنية الحاسوب المفتنة، وهي تبرز وجه امرأة محجبة في الجانب الأيسر بشكل لافت، وعلى الجانب الأيمن من اللوحة بالخط العريض كتبت هذه العبارة: [ الحسـن أســفر بالحجــاب ]، وأسقط في يدي، وأخذت أسائل نفسي ترى أي حجاب هذا الذي يدعو إليه ذلك الاتحاد الطالبي؟ وبئست السلعة، وبئس المقصد إذا كان قصارى جهدنا في تزييـن الدعوة إلى الحجاب والترغيب فيه مثل تلك العبـارة السوقية الماجنـة [ الحسـن أســفر بالحجاب ]، وتبـاً لحجاب مقصده إظهار الحسن، وحشد العيون وما وراءها له، وتاه مجتمع يزعم الإسلام أيّما تيه إذا أمّـن على جعل المرأة سلعة، وأقـر ذلك الأسلوب الدعائي الرخيص.
أخطر من علمنة العاصمة :
إن علمنة النفوس والعقول والأفكار والمعتقدات، أخطر وأشد من علمنة الأمكنة والبقــاع، من خلال تشريعات وقوانين، وإن كانت التشريعات والقوانين نوع من " التسريع " والاستباق للأفكار والمعتقدات التي تستظل بها.
وما أود العكوف عليه في هذه المعالجة هو تبييـن حقيقة وأبعاد ومغازي ما تحمس له أبناؤنـا ـ في إتحاد الطلاب ـ من خلال هذه الدعايـات الملتهبة، وهم لا يدرون أنهم يروجون لحركة علمنة شاملة، من حيث لا يحتسبون! و قد أعلم علم اليقين أنهم ما قصدوا، ولا تعمدوا شيئاً مما أذكره في كلماتي هذه، بل ألزم نفسي بإحسان الظن بهم، من خلال مبادرتهم المحمودة، في تجديد الدعوة إلى الحجاب، بعد أن برزت صور من التفلت والتهتك تنبيء بعواقب وخيمة، ونتائج مؤلمة محزنة.
وما أقر به بداية، أن أبناءنا الطلاب هم ضحايـا لتقصير جيلنـا في البلاغ المبيـن، في أمر الإسلام، وشرعه، وهديـه. ويقينـاً أن هذه الظاهرة التي نتواضع على تسميتها بعلمنة الحجاب، هي غيض من فيض، وجزء من كل؛ من ظاهرة زلزلة، فكرية، عقدية، ضربت كل جوانب أمتنـا المسلمة عموماً، وسودان الإسلام بوجه أخص، وما عاد هناك من وقت لجدال حول هذا الأمر، فهناك دخن كثير يظلل حركة الإسلام في الســودان، وجدير بنـا أن نملك قدراً من الشجاعة يجعلنـا نعترف بالمرض، ونقر به، حتى لا يستفحل أكثر مما استفحل، وقد اكتفي في هذا المقام بالإشارة إلى ذلك دون إسهاب، حتى لا أنشغل عن معالجة القضية التي أعني بتبيانها اليـوم.
ولعل هناك حقيقة مزعجة يحسن مواجهة أنفسنا بها لنكون على بيّنة من أمرنـا على أقل تقدير؛ فمن النقد الموضوعي النفيس للحركة الإسلامية في عصرنـا هذا؛ ما أشار إليه العلاّمة عبد الوهاب المسيري في ملاحظة دقيقة، يؤمّن عليها صاحب هذا القلم، ولا يماري فيها طرفة عيـن، ويرى أنها تصح على قطاع كبير من العاملين للإسلام، فقد قال المسيري ما معنـاه : [ إن الحركة الإسلامية مع تميزها في طرحها، ومع مناداتها بمنظومة للنهضة، مفارقة لما عهده جمهور العالم الإسلامي، إلا أنها – في غالبها - مأسورة في أعماقها بالأنموذج الغربي، وإن كانت تبدي نفورها منه في ظاهر الأمر. ]
وقد أبدع المسيري وأصاب في هذا التحليل، ولا أدل على ذلك من أسلوب الإتحاد المذكور، فهو ـ لمن يحسن النظر والتأمل ـ مفتون في أعماقه بالأنموذج الغربي، وبصورة شاملة كلية، فمن خلاله تجاوز الأمر الاستبطان، والتبني لأشكال الدعاية، وتقنياتها، وأساليبها الظاهرية، وغدا استبطانـاً للأطر الفلسفية، ونوعية القيم، والمنطلقات، التي يدين لها الإنسان الغربي بالولاء والاعتقاد، والتي تشكل منظومة فكره الفاعلة، التي تحركه وتهزه وينفعل بها لدرجة تجعله يبشر بها كمنظومة معصومة، لا أصلح منها للبشرية، ويلزم أن يدين لها كل بني الإنسان بالطاعة والولاء وأن يُلزَموا بها قسـراً إن لم يلتزموا بها اختيـاراً.
ولمزيد من الإيضاح أقول: إن سيكولوجية الموضة وفلسفتها في الأنموذج الغربي قائمة على ما يمكن الاصطلاح عليه بـ : إشاعة الفتنـة بالمرأة، والافتنـان في إبراز أنوثتها، وحسنها، وجمالها بكل وسيلة وسبيل، والتنافس بين بيوت الأزيـاء هناك هو في "تسعير" الشهوات ـ أي جعلها مسعورة ـ،من خلال الاستغلال المريض للأنثى والأنوثة، ومدى المقدرة على إبراز كل دقيقة متصلة بجسد المرأة، والمتتبع لتاريخ الفن الغربي يجد شاهداً مدعماً لهذا من خلال التماثيل واللوحات المنسوبة لعصر النهضة الأوروبية وخصوصاً في إيطاليا، وفرنسـا، وأسبانيـا، وغيرها. فطابع الافتتان بالأنوثة وخباياها والافتنان في إبرازها، مشكّل لروح الفن وفلسفته في ذلك العهد وما سبقه، وبظهور بيوت الموضة " كمؤسسة " من مؤسسات المجتمع المؤثرة فيه والمساهمة بنصيب الأسد في تشكيله وصياغة قيمه العملية، غدا جسد المرأة إلهاً يعبد من دون الله أو كاد !
أضف إلى ذلك الروح الرأسمالي، السلعي، البشع، الذي جعل كل شيء سلعةً، حتى دفن الموتى وحفلات التأبين؛ بل وانتهى أخيراً إلى جعل الإنسان نفسه ـ و المرأة على وجه الخصوص ـ سلعةً؛ فقد صرنا نطَّلِع في أيامنـا هذه، على صور تأمينية عجيبة، لا يكاد يصدقها إنسان عالمنـا المسلم؛ فبعض من شركات التأمين هناك، صارت تؤمن على سيقان بعض الممثلات من خطر الإصابة ! ! ونعلم أن الصادقات هناك من دعاة تحرير المرأة: التحرير الحقيقي لا المزيف الرائج عندنـا ـ وهل يروج عندنا إلا المزيف ؟ !ـ صرن يتصدين لمسـألة جعل المرأة سلعة من خلال أساليب الدعاية، والإعلان، والتسويق، التي تعمد دوماً للتوسل بالأنثى، لأنها أكثر وسائل الدعاية فعالية وتأثيراً، ولا أريد الاستشهاد بالمؤسسات والشركات الكبرى، التي يعد رأسمالها بمئات الملايين من الدولارات، بل وملياراتها، ممن يتاجرون في البغاء، واسترقاق البائسات، من عالمنـا الثالث، وأوروبا الشرقية، وهو استرقاق حقيقي، والدراسات المقارنة في التاريخ الاجتماعي، تثبت أنه أشد وأعتى من استرقاق الماضي بكثير.
وما أخلص إليه أن الحضارة الغربية بسيرتها التي نشاهدها ونعاصرها، ساهمت بنصيب الأسد، في اختزال المرأة، في مركّز إثارة سوقي مبتذل، ورمز جنسي محض، وبشتى الأساليب والسبل، وتضامنت كل مؤسسات المجتمع هناك، على إشاعة هذا الروح، وبث ذلك المفهوم، حتى وقع المجتمع كله في أسره، وغدت المرأة ضحيته الأولى على ما يقرره أولو الأبصار عندهم لا عندنـا !.
بين ظهــور أنثـوي وحضــور إنسـاني :
لا ننسى التنويه ثانية بأن "الموضة" والأزياء النسوية في الغرب، يعمد بها دوماً - مباشرة أو إيحاء - إلى التذكير والتنويه بأنوثة المرأة، لا إنسانيتها، وتحرص دوماً على التركيز على التلذذ بها عيانـاً أو خيالاً، وبطريقة تبعث على الاشمئزاز عند ذوي الفطرة السليمة، وهو ما يجعل الإسلام يقف موقفاً مناهضاً له، هذا ومن الفوارق الأساس بين المنظومة الإسلامية والمنظومة الغربية؛ الترجمة العملية للنظرة الحقيقية المستبطنة للمرأة من خلال اللباس .
النظرة الغربية - على ما بيناه في الفقرة السابقة - تعمد إلى التركيز المكثف على الطابع الأنثوي والجنسي للمرأة، وتستغرق في إظهار الجسد، بل والتعرية المتمادية له، حتى من خلال الستر!! وذلك باستخدام الأساليب الإيحائية ـ غير المباشرة ـ من استخدام أنواع القماش المختلفة من هزاز ولمّاع ومنكمش، وبالافتنـان في توزيع الألوان، ثم بطريقة التفصيل.
والمطالع لفلسفة الموضة هناك وسيكولوجيتها، يرى عجباً، ومعلوم أن كثيراً من مصممي الأزياء النسوية ومالكي بيوتاتها من الشواذ جنسياً!، وهم يفرغون كل عقدهم وألوان كبتهم الكامن من خلال تلك الأزياء؛ وهذا ليس من استنتاجي وقولي، بل هو قول الخبراء والمحللين هناك. وعليه، فالمحصلة أن المجتمع تسيّره، وتصوغ قيمه، تلك المؤسسات والفئات الشاذة، من خلال اللباس وما أحرزه من سبق وأهمية في الحياة الاجتماعية والقيم الخلقية السلوكية على حد سواء.
وفي المقابل، تريد المنظومة الإسلامية للمرأة من خلال اللباس، أن تحلق في إنسانيتها، لا أن تهبط إلى شيء سلعي لا قيمة له إلا بجسده وإيحاءاته الهابطة، وتريد لها أن تتناغم مع عقدها الإيماني، ومقتضياته، التي تلزمها بها شهادة ألا إله إلا الله.
ويكاد لباس المرأة في الإسلام، يجسد كل قيمه التي يدعو إليها، ويشكل مركز الدائرة في انضباط المجتمع المسلم كله، بمنظومة قيمه، ومقاصد شرعه، ومقتضى إيمانه.
كما أن مقصد اللباس عموماً ـ ولباس المرأة الموسوم بالحجاب على وجه الخصوص ـ مقصد وقائي تربوي، ذلك أن من أهم ما يدعو إليه الإسلام ويحض عليه: أسباب العفة. و هذا أمر يعم النساء والرجال، واللباس عموماً هو ستر للعورة، وأوضح معاني العورة، ودلالاتها الإثارة، فالإسلام يحول بين إنسانه ومجتمعه، وأي ضرب من ضروب " الحريق "، من خلال اللباس الذي هو وسيلة إطفاء مسبق! وأحد الوسائل الإيجابية الظاهرة الحائلة بين الإنسان ذكراً كان أو أنثى، وبين صور الإثارة أنـّى كانت.
وبهـذا فمفهوم : [ الحسـن أســفر بالحجاب ] يسقط نفسه تلقائياً من خلال هذه المنظومة وذلك النسق، فآيات الحجاب انتهت بهذه الصيغة المتسامية البديعة " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً " وعليه فكل ما يقارب من الرجس، ويباعد عن الطهر، فهو أمر مرذول مستبشع في روح الإسلام وهديه وشرعه، " والحسـن أسـفر بالحجاب " لا يعد أمراً دخيلاً فقط على المنظومة القيمية الإسلامية، بل هو أمر ناسف مقوض لها كلها.
قصّ أحد أساتذتنـا الراحلين ـ رحمهم الله ـ على مسامعنا حكاية طريفة أيام الطلب الجامعي؛ والحكاية متصلة بأحد المتفرنجين في عائلتهم؛ ممن منَّ الله عليهم بنعمة الهداية بعد ضلال عريض طويل، وقد احتفى به مجتمع ذلك المكان احتفاء شديداً، لا سيما وأنه صار من المواظبين على صلاة الجماعة، وأصبح أشبه بحمامة المسجد، بيد أنه أذهل رواد ذلك المسجد إبان مناسبة أعياد ميلاد السيد المسيح؛ فقد حضر المصلون في تلك الليلة ليفاجأوا بالمسجد، وقد أنيرت فيه شجرة عيد الميلاد، مما لم يعهدوا مثله، وأخذ يسائل كل واحد منهم الآخر عن صاحب تلك " البدعة ". وحين حضر صاحبنـا " المهتدي "، علموا منه أنه هو الفاعل، وفوجئوا باستنكار استنكارهم، من الرجل الذي أبدى شعوره بالصدمة من عدم تجاوب جمهور المصلين؛ إذ كان يعتقد يقينـاً أنه يقوم بقربة من القربات لله !!
تذكرت تلك القصة وأنا أرى لوحة بهية جميلة، تنافست فيها ضروب الألوان، وزاحمت فيها تقنية الحاسوب المفتنة، وهي تبرز وجه امرأة محجبة في الجانب الأيسر بشكل لافت، وعلى الجانب الأيمن من اللوحة بالخط العريض كتبت هذه العبارة: [ الحسـن أســفر بالحجــاب ]، وأسقط في يدي، وأخذت أسائل نفسي ترى أي حجاب هذا الذي يدعو إليه ذلك الاتحاد الطالبي؟ وبئست السلعة، وبئس المقصد إذا كان قصارى جهدنا في تزييـن الدعوة إلى الحجاب والترغيب فيه مثل تلك العبـارة السوقية الماجنـة [ الحسـن أســفر بالحجاب ]، وتبـاً لحجاب مقصده إظهار الحسن، وحشد العيون وما وراءها له، وتاه مجتمع يزعم الإسلام أيّما تيه إذا أمّـن على جعل المرأة سلعة، وأقـر ذلك الأسلوب الدعائي الرخيص.
أخطر من علمنة العاصمة :
إن علمنة النفوس والعقول والأفكار والمعتقدات، أخطر وأشد من علمنة الأمكنة والبقــاع، من خلال تشريعات وقوانين، وإن كانت التشريعات والقوانين نوع من " التسريع " والاستباق للأفكار والمعتقدات التي تستظل بها.
وما أود العكوف عليه في هذه المعالجة هو تبييـن حقيقة وأبعاد ومغازي ما تحمس له أبناؤنـا ـ في إتحاد الطلاب ـ من خلال هذه الدعايـات الملتهبة، وهم لا يدرون أنهم يروجون لحركة علمنة شاملة، من حيث لا يحتسبون! و قد أعلم علم اليقين أنهم ما قصدوا، ولا تعمدوا شيئاً مما أذكره في كلماتي هذه، بل ألزم نفسي بإحسان الظن بهم، من خلال مبادرتهم المحمودة، في تجديد الدعوة إلى الحجاب، بعد أن برزت صور من التفلت والتهتك تنبيء بعواقب وخيمة، ونتائج مؤلمة محزنة.
وما أقر به بداية، أن أبناءنا الطلاب هم ضحايـا لتقصير جيلنـا في البلاغ المبيـن، في أمر الإسلام، وشرعه، وهديـه. ويقينـاً أن هذه الظاهرة التي نتواضع على تسميتها بعلمنة الحجاب، هي غيض من فيض، وجزء من كل؛ من ظاهرة زلزلة، فكرية، عقدية، ضربت كل جوانب أمتنـا المسلمة عموماً، وسودان الإسلام بوجه أخص، وما عاد هناك من وقت لجدال حول هذا الأمر، فهناك دخن كثير يظلل حركة الإسلام في الســودان، وجدير بنـا أن نملك قدراً من الشجاعة يجعلنـا نعترف بالمرض، ونقر به، حتى لا يستفحل أكثر مما استفحل، وقد اكتفي في هذا المقام بالإشارة إلى ذلك دون إسهاب، حتى لا أنشغل عن معالجة القضية التي أعني بتبيانها اليـوم.
ولعل هناك حقيقة مزعجة يحسن مواجهة أنفسنا بها لنكون على بيّنة من أمرنـا على أقل تقدير؛ فمن النقد الموضوعي النفيس للحركة الإسلامية في عصرنـا هذا؛ ما أشار إليه العلاّمة عبد الوهاب المسيري في ملاحظة دقيقة، يؤمّن عليها صاحب هذا القلم، ولا يماري فيها طرفة عيـن، ويرى أنها تصح على قطاع كبير من العاملين للإسلام، فقد قال المسيري ما معنـاه : [ إن الحركة الإسلامية مع تميزها في طرحها، ومع مناداتها بمنظومة للنهضة، مفارقة لما عهده جمهور العالم الإسلامي، إلا أنها – في غالبها - مأسورة في أعماقها بالأنموذج الغربي، وإن كانت تبدي نفورها منه في ظاهر الأمر. ]
وقد أبدع المسيري وأصاب في هذا التحليل، ولا أدل على ذلك من أسلوب الإتحاد المذكور، فهو ـ لمن يحسن النظر والتأمل ـ مفتون في أعماقه بالأنموذج الغربي، وبصورة شاملة كلية، فمن خلاله تجاوز الأمر الاستبطان، والتبني لأشكال الدعاية، وتقنياتها، وأساليبها الظاهرية، وغدا استبطانـاً للأطر الفلسفية، ونوعية القيم، والمنطلقات، التي يدين لها الإنسان الغربي بالولاء والاعتقاد، والتي تشكل منظومة فكره الفاعلة، التي تحركه وتهزه وينفعل بها لدرجة تجعله يبشر بها كمنظومة معصومة، لا أصلح منها للبشرية، ويلزم أن يدين لها كل بني الإنسان بالطاعة والولاء وأن يُلزَموا بها قسـراً إن لم يلتزموا بها اختيـاراً.
ولمزيد من الإيضاح أقول: إن سيكولوجية الموضة وفلسفتها في الأنموذج الغربي قائمة على ما يمكن الاصطلاح عليه بـ : إشاعة الفتنـة بالمرأة، والافتنـان في إبراز أنوثتها، وحسنها، وجمالها بكل وسيلة وسبيل، والتنافس بين بيوت الأزيـاء هناك هو في "تسعير" الشهوات ـ أي جعلها مسعورة ـ،من خلال الاستغلال المريض للأنثى والأنوثة، ومدى المقدرة على إبراز كل دقيقة متصلة بجسد المرأة، والمتتبع لتاريخ الفن الغربي يجد شاهداً مدعماً لهذا من خلال التماثيل واللوحات المنسوبة لعصر النهضة الأوروبية وخصوصاً في إيطاليا، وفرنسـا، وأسبانيـا، وغيرها. فطابع الافتتان بالأنوثة وخباياها والافتنان في إبرازها، مشكّل لروح الفن وفلسفته في ذلك العهد وما سبقه، وبظهور بيوت الموضة " كمؤسسة " من مؤسسات المجتمع المؤثرة فيه والمساهمة بنصيب الأسد في تشكيله وصياغة قيمه العملية، غدا جسد المرأة إلهاً يعبد من دون الله أو كاد !
أضف إلى ذلك الروح الرأسمالي، السلعي، البشع، الذي جعل كل شيء سلعةً، حتى دفن الموتى وحفلات التأبين؛ بل وانتهى أخيراً إلى جعل الإنسان نفسه ـ و المرأة على وجه الخصوص ـ سلعةً؛ فقد صرنا نطَّلِع في أيامنـا هذه، على صور تأمينية عجيبة، لا يكاد يصدقها إنسان عالمنـا المسلم؛ فبعض من شركات التأمين هناك، صارت تؤمن على سيقان بعض الممثلات من خطر الإصابة ! ! ونعلم أن الصادقات هناك من دعاة تحرير المرأة: التحرير الحقيقي لا المزيف الرائج عندنـا ـ وهل يروج عندنا إلا المزيف ؟ !ـ صرن يتصدين لمسـألة جعل المرأة سلعة من خلال أساليب الدعاية، والإعلان، والتسويق، التي تعمد دوماً للتوسل بالأنثى، لأنها أكثر وسائل الدعاية فعالية وتأثيراً، ولا أريد الاستشهاد بالمؤسسات والشركات الكبرى، التي يعد رأسمالها بمئات الملايين من الدولارات، بل وملياراتها، ممن يتاجرون في البغاء، واسترقاق البائسات، من عالمنـا الثالث، وأوروبا الشرقية، وهو استرقاق حقيقي، والدراسات المقارنة في التاريخ الاجتماعي، تثبت أنه أشد وأعتى من استرقاق الماضي بكثير.
وما أخلص إليه أن الحضارة الغربية بسيرتها التي نشاهدها ونعاصرها، ساهمت بنصيب الأسد، في اختزال المرأة، في مركّز إثارة سوقي مبتذل، ورمز جنسي محض، وبشتى الأساليب والسبل، وتضامنت كل مؤسسات المجتمع هناك، على إشاعة هذا الروح، وبث ذلك المفهوم، حتى وقع المجتمع كله في أسره، وغدت المرأة ضحيته الأولى على ما يقرره أولو الأبصار عندهم لا عندنـا !.
بين ظهــور أنثـوي وحضــور إنسـاني :
لا ننسى التنويه ثانية بأن "الموضة" والأزياء النسوية في الغرب، يعمد بها دوماً - مباشرة أو إيحاء - إلى التذكير والتنويه بأنوثة المرأة، لا إنسانيتها، وتحرص دوماً على التركيز على التلذذ بها عيانـاً أو خيالاً، وبطريقة تبعث على الاشمئزاز عند ذوي الفطرة السليمة، وهو ما يجعل الإسلام يقف موقفاً مناهضاً له، هذا ومن الفوارق الأساس بين المنظومة الإسلامية والمنظومة الغربية؛ الترجمة العملية للنظرة الحقيقية المستبطنة للمرأة من خلال اللباس .
النظرة الغربية - على ما بيناه في الفقرة السابقة - تعمد إلى التركيز المكثف على الطابع الأنثوي والجنسي للمرأة، وتستغرق في إظهار الجسد، بل والتعرية المتمادية له، حتى من خلال الستر!! وذلك باستخدام الأساليب الإيحائية ـ غير المباشرة ـ من استخدام أنواع القماش المختلفة من هزاز ولمّاع ومنكمش، وبالافتنـان في توزيع الألوان، ثم بطريقة التفصيل.
والمطالع لفلسفة الموضة هناك وسيكولوجيتها، يرى عجباً، ومعلوم أن كثيراً من مصممي الأزياء النسوية ومالكي بيوتاتها من الشواذ جنسياً!، وهم يفرغون كل عقدهم وألوان كبتهم الكامن من خلال تلك الأزياء؛ وهذا ليس من استنتاجي وقولي، بل هو قول الخبراء والمحللين هناك. وعليه، فالمحصلة أن المجتمع تسيّره، وتصوغ قيمه، تلك المؤسسات والفئات الشاذة، من خلال اللباس وما أحرزه من سبق وأهمية في الحياة الاجتماعية والقيم الخلقية السلوكية على حد سواء.
وفي المقابل، تريد المنظومة الإسلامية للمرأة من خلال اللباس، أن تحلق في إنسانيتها، لا أن تهبط إلى شيء سلعي لا قيمة له إلا بجسده وإيحاءاته الهابطة، وتريد لها أن تتناغم مع عقدها الإيماني، ومقتضياته، التي تلزمها بها شهادة ألا إله إلا الله.
ويكاد لباس المرأة في الإسلام، يجسد كل قيمه التي يدعو إليها، ويشكل مركز الدائرة في انضباط المجتمع المسلم كله، بمنظومة قيمه، ومقاصد شرعه، ومقتضى إيمانه.
كما أن مقصد اللباس عموماً ـ ولباس المرأة الموسوم بالحجاب على وجه الخصوص ـ مقصد وقائي تربوي، ذلك أن من أهم ما يدعو إليه الإسلام ويحض عليه: أسباب العفة. و هذا أمر يعم النساء والرجال، واللباس عموماً هو ستر للعورة، وأوضح معاني العورة، ودلالاتها الإثارة، فالإسلام يحول بين إنسانه ومجتمعه، وأي ضرب من ضروب " الحريق "، من خلال اللباس الذي هو وسيلة إطفاء مسبق! وأحد الوسائل الإيجابية الظاهرة الحائلة بين الإنسان ذكراً كان أو أنثى، وبين صور الإثارة أنـّى كانت.
وبهـذا فمفهوم : [ الحسـن أســفر بالحجاب ] يسقط نفسه تلقائياً من خلال هذه المنظومة وذلك النسق، فآيات الحجاب انتهت بهذه الصيغة المتسامية البديعة " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً " وعليه فكل ما يقارب من الرجس، ويباعد عن الطهر، فهو أمر مرذول مستبشع في روح الإسلام وهديه وشرعه، " والحسـن أسـفر بالحجاب " لا يعد أمراً دخيلاً فقط على المنظومة القيمية الإسلامية، بل هو أمر ناسف مقوض لها كلها.