المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في تيه الفكر والمعتقد : علمنة الحجاب


didi
04-20-2006, 01:27 PM
محمد عبد الله الغبشاوي

قصّ أحد أساتذتنـا الراحلين ـ رحمهم الله ـ على مسامعنا حكاية طريفة أيام الطلب الجامعي؛ والحكاية متصلة بأحد المتفرنجين في عائلتهم؛ ممن منَّ الله عليهم بنعمة الهداية بعد ضلال عريض طويل، وقد احتفى به مجتمع ذلك المكان احتفاء شديداً، لا سيما وأنه صار من المواظبين على صلاة الجماعة، وأصبح أشبه بحمامة المسجد، بيد أنه أذهل رواد ذلك المسجد إبان مناسبة أعياد ميلاد السيد المسيح؛ فقد حضر المصلون في تلك الليلة ليفاجأوا بالمسجد، وقد أنيرت فيه شجرة عيد الميلاد، مما لم يعهدوا مثله، وأخذ يسائل كل واحد منهم الآخر عن صاحب تلك " البدعة ". وحين حضر صاحبنـا " المهتدي "، علموا منه أنه هو الفاعل، وفوجئوا باستنكار استنكارهم، من الرجل الذي أبدى شعوره بالصدمة من عدم تجاوب جمهور المصلين؛ إذ كان يعتقد يقينـاً أنه يقوم بقربة من القربات لله !!
تذكرت تلك القصة وأنا أرى لوحة بهية جميلة، تنافست فيها ضروب الألوان، وزاحمت فيها تقنية الحاسوب المفتنة، وهي تبرز وجه امرأة محجبة في الجانب الأيسر بشكل لافت، وعلى الجانب الأيمن من اللوحة بالخط العريض كتبت هذه العبارة: [ الحسـن أســفر بالحجــاب ]، وأسقط في يدي، وأخذت أسائل نفسي ترى أي حجاب هذا الذي يدعو إليه ذلك الاتحاد الطالبي؟ وبئست السلعة، وبئس المقصد إذا كان قصارى جهدنا في تزييـن الدعوة إلى الحجاب والترغيب فيه مثل تلك العبـارة السوقية الماجنـة [ الحسـن أســفر بالحجاب ]، وتبـاً لحجاب مقصده إظهار الحسن، وحشد العيون وما وراءها له، وتاه مجتمع يزعم الإسلام أيّما تيه إذا أمّـن على جعل المرأة سلعة، وأقـر ذلك الأسلوب الدعائي الرخيص.
أخطر من علمنة العاصمة :
إن علمنة النفوس والعقول والأفكار والمعتقدات، أخطر وأشد من علمنة الأمكنة والبقــاع، من خلال تشريعات وقوانين، وإن كانت التشريعات والقوانين نوع من " التسريع " والاستباق للأفكار والمعتقدات التي تستظل بها.
وما أود العكوف عليه في هذه المعالجة هو تبييـن حقيقة وأبعاد ومغازي ما تحمس له أبناؤنـا ـ في إتحاد الطلاب ـ من خلال هذه الدعايـات الملتهبة، وهم لا يدرون أنهم يروجون لحركة علمنة شاملة، من حيث لا يحتسبون! و قد أعلم علم اليقين أنهم ما قصدوا، ولا تعمدوا شيئاً مما أذكره في كلماتي هذه، بل ألزم نفسي بإحسان الظن بهم، من خلال مبادرتهم المحمودة، في تجديد الدعوة إلى الحجاب، بعد أن برزت صور من التفلت والتهتك تنبيء بعواقب وخيمة، ونتائج مؤلمة محزنة.
وما أقر به بداية، أن أبناءنا الطلاب هم ضحايـا لتقصير جيلنـا في البلاغ المبيـن، في أمر الإسلام، وشرعه، وهديـه. ويقينـاً أن هذه الظاهرة التي نتواضع على تسميتها بعلمنة الحجاب، هي غيض من فيض، وجزء من كل؛ من ظاهرة زلزلة، فكرية، عقدية، ضربت كل جوانب أمتنـا المسلمة عموماً، وسودان الإسلام بوجه أخص، وما عاد هناك من وقت لجدال حول هذا الأمر، فهناك دخن كثير يظلل حركة الإسلام في الســودان، وجدير بنـا أن نملك قدراً من الشجاعة يجعلنـا نعترف بالمرض، ونقر به، حتى لا يستفحل أكثر مما استفحل، وقد اكتفي في هذا المقام بالإشارة إلى ذلك دون إسهاب، حتى لا أنشغل عن معالجة القضية التي أعني بتبيانها اليـوم.
ولعل هناك حقيقة مزعجة يحسن مواجهة أنفسنا بها لنكون على بيّنة من أمرنـا على أقل تقدير؛ فمن النقد الموضوعي النفيس للحركة الإسلامية في عصرنـا هذا؛ ما أشار إليه العلاّمة عبد الوهاب المسيري في ملاحظة دقيقة، يؤمّن عليها صاحب هذا القلم، ولا يماري فيها طرفة عيـن، ويرى أنها تصح على قطاع كبير من العاملين للإسلام، فقد قال المسيري ما معنـاه : [ إن الحركة الإسلامية مع تميزها في طرحها، ومع مناداتها بمنظومة للنهضة، مفارقة لما عهده جمهور العالم الإسلامي، إلا أنها – في غالبها - مأسورة في أعماقها بالأنموذج الغربي، وإن كانت تبدي نفورها منه في ظاهر الأمر. ]
وقد أبدع المسيري وأصاب في هذا التحليل، ولا أدل على ذلك من أسلوب الإتحاد المذكور، فهو ـ لمن يحسن النظر والتأمل ـ مفتون في أعماقه بالأنموذج الغربي، وبصورة شاملة كلية، فمن خلاله تجاوز الأمر الاستبطان، والتبني لأشكال الدعاية، وتقنياتها، وأساليبها الظاهرية، وغدا استبطانـاً للأطر الفلسفية، ونوعية القيم، والمنطلقات، التي يدين لها الإنسان الغربي بالولاء والاعتقاد، والتي تشكل منظومة فكره الفاعلة، التي تحركه وتهزه وينفعل بها لدرجة تجعله يبشر بها كمنظومة معصومة، لا أصلح منها للبشرية، ويلزم أن يدين لها كل بني الإنسان بالطاعة والولاء وأن يُلزَموا بها قسـراً إن لم يلتزموا بها اختيـاراً.
ولمزيد من الإيضاح أقول: إن سيكولوجية الموضة وفلسفتها في الأنموذج الغربي قائمة على ما يمكن الاصطلاح عليه بـ : إشاعة الفتنـة بالمرأة، والافتنـان في إبراز أنوثتها، وحسنها، وجمالها بكل وسيلة وسبيل، والتنافس بين بيوت الأزيـاء هناك هو في "تسعير" الشهوات ـ أي جعلها مسعورة ـ،من خلال الاستغلال المريض للأنثى والأنوثة، ومدى المقدرة على إبراز كل دقيقة متصلة بجسد المرأة، والمتتبع لتاريخ الفن الغربي يجد شاهداً مدعماً لهذا من خلال التماثيل واللوحات المنسوبة لعصر النهضة الأوروبية وخصوصاً في إيطاليا، وفرنسـا، وأسبانيـا، وغيرها. فطابع الافتتان بالأنوثة وخباياها والافتنان في إبرازها، مشكّل لروح الفن وفلسفته في ذلك العهد وما سبقه، وبظهور بيوت الموضة " كمؤسسة " من مؤسسات المجتمع المؤثرة فيه والمساهمة بنصيب الأسد في تشكيله وصياغة قيمه العملية، غدا جسد المرأة إلهاً يعبد من دون الله أو كاد !
أضف إلى ذلك الروح الرأسمالي، السلعي، البشع، الذي جعل كل شيء سلعةً، حتى دفن الموتى وحفلات التأبين؛ بل وانتهى أخيراً إلى جعل الإنسان نفسه ـ و المرأة على وجه الخصوص ـ سلعةً؛ فقد صرنا نطَّلِع في أيامنـا هذه، على صور تأمينية عجيبة، لا يكاد يصدقها إنسان عالمنـا المسلم؛ فبعض من شركات التأمين هناك، صارت تؤمن على سيقان بعض الممثلات من خطر الإصابة ! ! ونعلم أن الصادقات هناك من دعاة تحرير المرأة: التحرير الحقيقي لا المزيف الرائج عندنـا ـ وهل يروج عندنا إلا المزيف ؟ !ـ صرن يتصدين لمسـألة جعل المرأة سلعة من خلال أساليب الدعاية، والإعلان، والتسويق، التي تعمد دوماً للتوسل بالأنثى، لأنها أكثر وسائل الدعاية فعالية وتأثيراً، ولا أريد الاستشهاد بالمؤسسات والشركات الكبرى، التي يعد رأسمالها بمئات الملايين من الدولارات، بل وملياراتها، ممن يتاجرون في البغاء، واسترقاق البائسات، من عالمنـا الثالث، وأوروبا الشرقية، وهو استرقاق حقيقي، والدراسات المقارنة في التاريخ الاجتماعي، تثبت أنه أشد وأعتى من استرقاق الماضي بكثير.
وما أخلص إليه أن الحضارة الغربية بسيرتها التي نشاهدها ونعاصرها، ساهمت بنصيب الأسد، في اختزال المرأة، في مركّز إثارة سوقي مبتذل، ورمز جنسي محض، وبشتى الأساليب والسبل، وتضامنت كل مؤسسات المجتمع هناك، على إشاعة هذا الروح، وبث ذلك المفهوم، حتى وقع المجتمع كله في أسره، وغدت المرأة ضحيته الأولى على ما يقرره أولو الأبصار عندهم لا عندنـا !.
بين ظهــور أنثـوي وحضــور إنسـاني :
لا ننسى التنويه ثانية بأن "الموضة" والأزياء النسوية في الغرب، يعمد بها دوماً - مباشرة أو إيحاء - إلى التذكير والتنويه بأنوثة المرأة، لا إنسانيتها، وتحرص دوماً على التركيز على التلذذ بها عيانـاً أو خيالاً، وبطريقة تبعث على الاشمئزاز عند ذوي الفطرة السليمة، وهو ما يجعل الإسلام يقف موقفاً مناهضاً له، هذا ومن الفوارق الأساس بين المنظومة الإسلامية والمنظومة الغربية؛ الترجمة العملية للنظرة الحقيقية المستبطنة للمرأة من خلال اللباس .
النظرة الغربية - على ما بيناه في الفقرة السابقة - تعمد إلى التركيز المكثف على الطابع الأنثوي والجنسي للمرأة، وتستغرق في إظهار الجسد، بل والتعرية المتمادية له، حتى من خلال الستر!! وذلك باستخدام الأساليب الإيحائية ـ غير المباشرة ـ من استخدام أنواع القماش المختلفة من هزاز ولمّاع ومنكمش، وبالافتنـان في توزيع الألوان، ثم بطريقة التفصيل.
والمطالع لفلسفة الموضة هناك وسيكولوجيتها، يرى عجباً، ومعلوم أن كثيراً من مصممي الأزياء النسوية ومالكي بيوتاتها من الشواذ جنسياً!، وهم يفرغون كل عقدهم وألوان كبتهم الكامن من خلال تلك الأزياء؛ وهذا ليس من استنتاجي وقولي، بل هو قول الخبراء والمحللين هناك. وعليه، فالمحصلة أن المجتمع تسيّره، وتصوغ قيمه، تلك المؤسسات والفئات الشاذة، من خلال اللباس وما أحرزه من سبق وأهمية في الحياة الاجتماعية والقيم الخلقية السلوكية على حد سواء.
وفي المقابل، تريد المنظومة الإسلامية للمرأة من خلال اللباس، أن تحلق في إنسانيتها، لا أن تهبط إلى شيء سلعي لا قيمة له إلا بجسده وإيحاءاته الهابطة، وتريد لها أن تتناغم مع عقدها الإيماني، ومقتضياته، التي تلزمها بها شهادة ألا إله إلا الله.
ويكاد لباس المرأة في الإسلام، يجسد كل قيمه التي يدعو إليها، ويشكل مركز الدائرة في انضباط المجتمع المسلم كله، بمنظومة قيمه، ومقاصد شرعه، ومقتضى إيمانه.
كما أن مقصد اللباس عموماً ـ ولباس المرأة الموسوم بالحجاب على وجه الخصوص ـ مقصد وقائي تربوي، ذلك أن من أهم ما يدعو إليه الإسلام ويحض عليه: أسباب العفة. و هذا أمر يعم النساء والرجال، واللباس عموماً هو ستر للعورة، وأوضح معاني العورة، ودلالاتها الإثارة، فالإسلام يحول بين إنسانه ومجتمعه، وأي ضرب من ضروب " الحريق "، من خلال اللباس الذي هو وسيلة إطفاء مسبق! وأحد الوسائل الإيجابية الظاهرة الحائلة بين الإنسان ذكراً كان أو أنثى، وبين صور الإثارة أنـّى كانت.
وبهـذا فمفهوم : [ الحسـن أســفر بالحجاب ] يسقط نفسه تلقائياً من خلال هذه المنظومة وذلك النسق، فآيات الحجاب انتهت بهذه الصيغة المتسامية البديعة " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً " وعليه فكل ما يقارب من الرجس، ويباعد عن الطهر، فهو أمر مرذول مستبشع في روح الإسلام وهديه وشرعه، " والحسـن أسـفر بالحجاب " لا يعد أمراً دخيلاً فقط على المنظومة القيمية الإسلامية، بل هو أمر ناسف مقوض لها كلها.

didi
04-20-2006, 01:28 PM
تتمة

ولا ولن يهتف مسلم واعٍ بإسلامه بهذه المقولة الشائهة :" الحسن أسـفر بالحجــاب "، بل لا يقول هذا إلا من فقد وعيه و غابت مداركه غيبة مركبة، وما أعنيه بالغياب المركب للوعي، الجهل بالمقاصد، والأطر الفلسفية للمنظومتين الإسلامية والغربية ولمضامينهما القيمية الخلقية والسلوكية. وإن لزم تسمية الأسماء بأسمائها، فإن دعوة إلى مثل هذا "الحجاب" الذي شعاره " الحسن أسفر بالحجاب " لن تكون إلا تجسيداً لحجاب المجون، أو مجون الحجاب! أي أن دعاة هذا الحجاب، يسلمون بمقتضى ثقافة الخور، المروجة لروح الإحباط والاستسلام للواقع والظروف، فهم كأنما يئسـوا من استئناس الفئات التي ألهـاها المجون إلا بنـداء مداهن له! وهو بهذا نوع من تطبيع المنكر، ودعوة للتعايش معه، وهذا ضرب من ضروب المستحيل، فضلاً عن أنه إغفال متعمد لخطاب الإســلام الذي يستهدف التسامي بالإنسان إلى سماوات الإيمان، لا الهبوط بالإيمان إلى مهاوي الإنسان.
هذا ونفهم وندرك أن الحجاب كمدار لمنظومة القيم الإسلامية، هو تربية على الطهر، وتعهد وملازمة له، فهو يرقى بالمرأة والرجل معاً إلى مقامات الإنسانية الحقة، التي ينفسح فيها المجال للتنافس واستباق الخيرات بالتسامي اللانهائي نحو مرضاة الله وقربه، وهذا منطق لا يفهمه إلا أهل الإيمان بالضرورة، فلزم التنويه!
وما ينبغي أن ننوه به آخراً لا أخيراً، أن الحجاب هو جلال الجمال ـ إن وجد ـ وجمال الجلال ـ إن فُقد ـ؛ بمعنى أنه يضفي على الجمال جلالاً، وهو ما يتنافى تماماً وإســفار الحسـن، كما يضفي بحيثياته ومعناه جمالاً للجلال ، الذي التزمت به كل أنثـى، والجلال هو إشعاع الطهر، وإشاعته مما نوه به الذكر الحكيم في قوله جل وعلا:  إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً  .
وهذه المقاصد المجتزاة، التي نوهنـا بها هي من المعالم المنبئة للافتراق البين، بين المنظومة الإسلامية والمنظومة الغربية، فلا يرد في مقامها مفهوم السلعة، ولا السوق، ولا إحالة الإنسان إلى مجرد شيء من الأشياء.
استبطــان العلمنـة الشاملـــة :
متمادٍ في جهله من قال إن العلمانية هي الفصل بين الدين والدولة فقط، بل العلمانية الحقيقية هي الفصل بين الحياة وبين القيم في الممارسات اليومية الشاملة، فإذا ما ظن مسلم أنه سيدعم الحجاب والترويج له بإنشاء بيت أزياء يتسابق في الافتنـان في ضروب الأشكال والألوان، فقد ضل الفهم وبالتالي فإن ضلال السبيل من باب الأولى.
وإن مجرد رفع لافتات إعلانية تشاهدها ملايين العيون؛ لامرأة وضاءة الحسن ـ وإن كانت محجبة ـ؛ هو تكريس لحالة ضياع فكري مفاهيمي قيمي أظل الإنسان المسلم، وحجب عنه رؤية مقاصد شرعه ومقتضى دينه وهديه، فضلاً عن أنه ضرب من ضروب الاستعارة المسترذلة لأسلوب دعاية سوقية غربية رخيصة مبتذلة، وهو من الإشعاعات الضارة للعلمنة التي ضربت بجرانها على العالم الغربي وتريدنا أن نكون له تبعاً.
وغني عن الذكر أن العلمانية التطبيقية الشاملة، أعتى وأضر من العلمانية العقدية الفكرية المجردة، إذ أن التطبيق ترسيخ وتخليد للفكر والمعتقد من حيث تريد، أو لا تريد. ونحن نعلم أن الحراك الاجتماعي الآن في أمتنـا حراك "لا أدري" غير واع بحقيقة ما يقارف ويفعل، ولا أدل على هذا من تعاملنـا الساذج مع المظاهر المجسدة للعلمانية الشاملة، وتجسيداتها ـ لا العولمة ـ التي توسم بها هذه الإطلالات الدخيلة علينـا.
إن "الكافتيريـات" الآن في طريقها لأن تكون ضرباً من المواخير! وهي تشيع روحاً إباحياً بشعاً مآلاً إن لم يكن حالاً الآن، ولا يكاد أحد يحترم نفسه يشعر بالأنس أو الراحة فيها، ولا يغشاها إلا مضطر، من كثرة مظاهر الخلاعة والفجور الظاهر والباطن، وسيادتها وانتشارها هو نوع من التطبيع مع المنكر وتعريفه.
وإن حالة "اللاأدرية" في السلوك قد غاصت فينا بعيداً فلا تكاد تجد امرأة تقبل الجلوس بين رجلين في مركب عام إلا في السودان! ويسلّم المجتمع بذلك بدعاوى الضرورة والسرعة والاستباق، ولو كان هناك ثمت " إنجاز " لهذا المجتمع لكان عزاء ولو بقدر. ولكن الأزمة الحق في أننا فقدنا دنيانا من زمان طويل ونوشك الآن أن نضيع ديننـا، بأبخس الأثمان، وبلا ثمن في كثير من الأحيان !!
وكل ما سقناه من أمثلة هو من صور وسلوكيات العلمانية الشاملة، وأخطر ما في ذلك أنه ترويج لأنموذج لا ندركه ولا نعرفه ونتبناه بذلك القدر من المخاطرة.
معضلــة الإقتداء بأزمات حضــارة :
إن من أخطر الأزمات التي تواجه أمة الإسلام اليوم أنها تتمادى في تقليد الغرب، في وقت بلغت فيه أزمات المجتمع الغربي قمتها، وهي بذلك تخاطر بتقليد مجتمع ليس في سيئاته التي لا يعرفها فحسب بل وفي أزماته التي يعرفها ويحذر قبيله وبني جلدته من مقاربتها ومقارفتها!! وهذه حالة متمادية في شذوذها، وأشك في مقارفة غيرنـا من الأمم لها.
إن الروح الفردي الشائه، والدعوة إلى الاستقلال المزيف للمرأة، والاستغراق في الغرام بالأشياء، والروح الاستهلاكي المتجاوز للحاجة الحقيقة، سواء للفرد أو المجتمع، إضافة إلى أنه إشاعة والتزام بالعلمانية الشاملة، فهو من وجه آخر، إقتداء واستعارة لأزمات اجتماعية، ثقافية اعتقادية ـ مآلاً ـ، ولا قبل لنا بتحمل ثمنها أو دفع تكاليفها بحال.
وفي توسل "اتحاد الطلاب المعني" بهذا الأسلوب الدعائي المستهجن دليل وأيما دليل، على روح استيراد الأزمات الاجتماعية الحضارية من حيث ندري ولا ندري.
نـداء واستنجــاد:
إنه يحسن بنـا أن نواجه أنفسنا وقبل فوات الأوان بإعلان حالة طواريء فكرية اعتقادية، نراجع فيها وقائع المجتمع وما ستؤدي إليه وتؤول به.
وإن هناك عديداً من المؤسسات التي يجدر بها أن تتداعى للاجتماع العاجل الفاعل من أجل إخراج أمتنـا من هذه الأزمة المفاهيمية التي أظلتها، وضربت بجرانها عليها. ولا يجب علينـا بحال أن نيأس أو نستسلم ونتنادى بالتسليم للأمر الواقع. فمع كل ما ذكرنا هناك خير كثير في هذا المجتمع، وهو رصيد يشكل قاعدة يمكن أن يبنى عليها، ولكن بشرط إعادة التأسيس للمفاهيم والقيم، بمعنى تجريدها من كل ما شابها من طواريء جاهلية محلية كانت أو غربية، وإعادتها إسلامية حقيقية كما ينبغي أن تكون.
وجدير بنـا أن نستفيد من هذه الواقعة ونعكف على تحليلها وتشريحها، عاقدين العزم على أن نجعل منها بداية الطريق في مشروع تصحيح للمسار، آن لنا أن نعكف عليه، ونبشر به ونباشره تواً وقبل فوات الأوان.
وآخــر دعوانـا أن الحمد لله رب العالمــيـن،،،

أحمد دعدوش
08-07-2006, 01:33 PM
مقال يستحق القراءة
شكرا جزيلا لك