المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عودة الأديان وتحولات الإيمان بالغرب


aya
05-01-2006, 07:27 AM
حسن سرات

رحل بابا الكنيسة الكاثوليكية عن هذه الدنيا يوم السبت 2 نيسان 2005 بعد عمر حافل بالعمل الديني المتواصل، المفتوح على عدة جبهات في العالم، بعد أن طالت المدة التي قضاها على كرسي البابوية.
وتلقى الخبر عامة الناس المتدينين واللامتدينين والسياسيين العلمانيين وغير العلمانيين والإعلاميين، باهتمام كبير، فأثارت هذه الواقعة الحديث مجددا عن عودة الديني وسلطته الروحية المتزايدة، وهذا المقال يلقي بعض الأضواء على هذه القضية الهامة.

الإله حي يا نيتشه!
من تحت تراب القارة العتيقة، من قلب المقابر الغربية، خرجت الديانات معلنة عن خلودها وصمودها وصعودها. وقالت بصوت مرتفع: لا.. لم يمت الإله، فالإله حي لا يموت.. إنما الموتى من ظنوا أن الدين قد مات.. ويستحيل على المخلوق أن ينكر خالقه وقد خلقه على هيئته، فهل ينسى العبد مولاه؟
وتعتبر هذه العودة ردا على الفيلسوف الألماني نيتشه الذي ذهب إلى أقصى مدى ممكن، وأعلن في لحظة غرور أن الإله (حاشاه) قد مات حين قال (ألم تسمعوا جلبة حفاري القبور وهم يكفنون الإله؟ ألم تستنشق أنوفكم التعفن الإلهي؟ لقد مات الإله! لقد مات الإله! ونحن الذين قتلناه)!
ويزهر الدين من جديد في قلب المدن والحواضر العلمانية، وتأخذ جاذبيته في زعزعة المجتمعات اللادينية، بل يخترق الدين قلوب الرؤساء والوزراء وذوي القرار السياسي في الحصون العلمانية العتيدة في عاصمة فرنسا باريس.

وميض الإيمان والتحسس الروحي
وها هو إنسان القرن الحادي والعشرين يثبت أنه كائن متدين بيقين، وأن الدين حاجة متجذرة في أعماقه لا يمكن اجتثاثها ولا تجاوزها فيعود إلى التدين الظاهر بطرق ومسالك مختلفة، وأحيانا بتعابير غاية في القدم والغرابة معلنة عن رغبة ورهبة، وقلق وتعب، وبحث وطلب، بما تيسر له من وسائل، ولو اقتضى منه الأمر التخلي عن جزء من نفسه أو نفسه كلها.
ويتسم الإنسان المتدين المعاصر بكثرة الترحال وقلة الاستقرار، حتى إنه ليصبح كاثوليكيا ثم يبيت بروتستانتيا، أما في الغد فقد يؤمن ببعض من الغنوصية ليمسي كافرا بها. إنه متواصل البحث عن طرق وسبل عدة، لا يتعب من طرق الأبواب الجديدة، عابر سبيل كأنه في مخيم لا يريد بناء المستقر والمستودع.
كيف يمكن أن نفهم هذه الغمرة في العقائد والأعمال الكثيرة التنوع المتطورة إلى جانب الديانات التقليدية. لماذا يقبل الناس على المؤلفات والكتب ذات الطبيعة الخيالية والسحرية والأسطورية مثل (هاري بوتر) و(أمير الأطواق) و(الكيميائي)... هل معنى ذلك صمود التدين في قلب الحداثة؟
وكيف يمكن تفسير استمرار الإيمان حيا في النفوس رغم الأزمة الخانقة التي شهدتها وما تزال تشهدها المؤسسات الدينية التقليدية: فالإيمان بالله يبقى غالبا في الغرب، إذ أن 93% من الأميركيين و67% من الأوروبيين يعلنون أنهم مؤمنون بالله. ماذا يختفي تحت هذا السطح؟ ماذا يوجد في الأعماق؟
حسب الاستطلاعات المنجزة في أوروبا وأميركا، يظهر أن الإلحاد المتطرف مثل التدين الحرفي الدائم لا يقوم به إلا القليل.
في أوروبا حسب أكبر استطلاع حول القيم سنة 1999، فإن 7% ملحدون، و30% متدينون ملتزمون (أي يشهدون قداسا دينيا في الشهر). ومعنى هذا أن ثلثي الأوروبيين (ممن يشعرون بالانتماء أو عدم الانتماء إلى ديانة ما) ليسوا متدينين ملتزمين ولا ملحدين لا دينيين، فبين طرفي الالتزام الديني واللاديني يوجد إيمان محتمل يشتعل وينطفئ يمكن أن نسميه (الوميض الإيماني).
وأصبح أفراد من الغربيين يلتمسون سبلا للتدين خاصة بهم، لا يطرقون فيها الأبواب التقليدية المعروفة، بعيدا عن البيع والكنائس والأديرة يخوضون تجارب (التحسس الروحي) و(الترحال العقدي) و(التجوال الطائفي). ويصاحب تقلبات (الديني) تحولات في تصورات وتمثلات الألوهية.

شروق الدين وغروب الحداثة
لكن ثبات الدين وبقاءه في أشكال متجددة ومتجذرة يقلب المقاربة الكلاسيكية للعلاقات بين الحداثة والدين. فمنذ قرنين تقريبا والفكر الغربي يردد نهاية الدين في العالم الحديث. وتفنن كثير من المفكرين الغربيين في ابتداع النظريات والتفسيرات والأوصاف للدين، فهو عند أوغست كونت استلاب فكري، وعند فيورباخ استلاب أنتروبولوجي، وهو نفسي حسب فرويد، بل هو أفيون الشعوب واستلاب سوسيواقتصادي عند ماركس.
ومضى أولئك المفكرون في ترسيخ اليقين بأن الدين عقبة أمام التقدم الفردي والاجتماعي. وضمن تصور مثل هذا، اقتنع كثير من الناس أن التطور العلمي وتبلور العقل النقدي والوعي بالذات والعدالة الاجتماعية كل ذلك سوف يؤدي بالإنسانية إلى عالم أفضل، وسوف يتحرر الإنسان من الوهم الديني.
وطيلة القرن العشرين، وخاصة عقب الحرب العالمية الثانية، اعتقد كثير من المراقبين أن غروب شمس السلوك الديني في أغلب أقطار (أمة الغرب) يؤيد المتنبئين بموت الإله ونهاية الديانات. وتواترت أمالي خبراء علم الاجتماع تنشر المعطيات والدراسات الميدانية التي لا تظهر الأزمة العميقة غير المسبوقة في المؤسسات الدينية فحسب، بل انحسار هيمنة الدين على المجتمع، وأن ما سمي بالعلمنة أمسى هو الأفق المنشود للحداثة.
وهكذا كتب الكاتبون مؤلفات شهيرة مثل (غروب المقدس) (سابينو أكوافيفا) و(المدينة العلمانية) (هارفي كوكس) و(زوال الوهم عن العالم) (مارسيل غوشيه). غير أنه، ومنذ حوالي ثلاثين سنة ظهرت مؤشرات عدة لتفجر هذه التحليلات والرؤى، إذ تناسلت حركات دينية ومجموعات طائفية، وتطور (البوتكونتيزم البروتستانتي (الإنجيلية الأميركية الجديدة) وتجددت الكاثوليكية، ونجحت المهرجانات الخطابية للبابا الراحل، وهبت رياح التجديد الديني والصحوة الدينية في الديانات السماوية الثلاث ودخلت المعترك السياسي.
ونبتت البوذية القادمة من آسيا في التربة الغربية، وازدهر التصوف والروحانيات والفلسفات الغنوصية القديمة، بل أطل التفكير السحري والخرافي من جديد وروجت ثقافة الأبراج والأفلاك وعبادة الشيطان والملائكة والجن وسكان الكواكب البعيدة وغيرها.
وأمام هذه الغمرة والفيض الديني المتعدد الأشكال والتعابير، أعلن مراقبون وإعلاميون عن عودة (الديني)، في حين أن خبراء علم الاجتماع الذين كانوا موقنين باللائيكية مثل بيتر بيرغر ودافيد مارتن أعلنوا توبة ورجوعا، فتحدث بيرغر ذاته عن مسار (نسخ العلمانية)، واعترف في كتابه الأخير أن العالم الحالي (متدين بقوة كما كان دائما، بل بدرجة أقوى في بعض جهاته).
ومنذ أكثر من عقد من الزمان أصبحت الموضة هي (انتقام الرب) (جيل كيبيل) و(عودة المقدس) (إنزو بيس). أكثر من ذلك، لم يعد الدين هو الذي يعيش لحظة الغروب، ولكن شمس الحداثة هي التي بدأت تغيب الآن، ولذلك جرى استبدالها منذ زمن قصير، بسبب التجاوزات الشنيعة للعقل والعقلانية، والنتائج الفظيعة للعلم والتقنية والسياسة، بما بعد الحداثة.

فردانية وعولمة في الخدمة
لم يمت الإله في زمن الحداثة، ولكنه بقي حيا لا يموت، ولم ينطق نيتشه إلا عن سفاهة وجنون، ودخل الدين في مسار من التحولات، كما ساهم في تكييف الحداثة نفسها.
لفهم ذلك، تنبغي دراسة مسارين كبيرين وأساسيين في الحداثة: مسار الفردانية ومسار العولمة في كل من أوروبا والولايات المتحدة، إذ لم تعد الديانات القديمة تفرض نفسها وتقدم ذاتها للفرد والمجتمع، بل أصبح الأفراد أنفسهم يذهبون في رحلة بحث واستكشاف واختيار وتجوال بين الديانات وداخلها.
كما أن العولمة فتحت كل الحدود وهدمت كل السدود ودكت كل الحصون واخترقت كل القصور فاسحة المجال للترويج والعرض والتنقل أمام الأديان، متيحة للأفراد القدرة على تركيب ديانات شخصية حسب قانون العرض العالمي.
وهكذا ساهمت الفردانية والعولمة في ظهور النزعات الطائفية والأصولية وتطورها في قلب الأديان الكبرى: طائفيات وأصوليات اعتبرت أجوبة واستجابات ضد بعض التطورات العالمية خاصة الشكوكية وضياع الهوية الجماعية والوحدة الوجودية.
أما الأوفياء الملتزمون والتائبون العائدون فقد تمسكوا بدياناتهم القديمة وعضوا عليها بالنواجذ لأخذ مسافة من العالم الحديث، في حين أن أعضاء الطوائف الدينية الجديدة بنوا خطابا نقديا جديدا تجاه العالم على الرغم من إنجاز ذلك من خلال ذاكرة أعيدت صيانتها وتركيبها.

الدين الشخصي
خلال خمسة قرون، عرفت القارة العتيقة انقلاب الوعي الديني من الدين الشامل المؤطر للمجتمع كله إلى الدين الشخصي الخاص، ويعتبر هذا الانقلاب الضخم مفتاحا هاما لفهم الظاهرة الدينية المعاصرة.
حصل ذلك نتيجة الاستقلال المزدوج الذي يشكل المشروع الرئيس لعصر الأنوار: تحرير العقل من قبضة الإيمان، وتحرير الفرد من قبضة التقاليد.
ففي العالم التقليدي لم يكن الفرد سوى رقم من الأرقام يأخذ مكانه الطبيعي وسط المجتمع، ويخضع للعادات الجماعية المفروضة من سلطة (عليا) و(سابقة)، بينما في العالم الحديث، أصبح الفرد هو المشرع لحياته الخاصة ويحتل المكانة التي حصل عليها بجهده في مجتمع يدعي المساواة.
الفرد حر في اختيار معتقداته، ويؤسس قيمه الخاصة في قلب عالم متعدد تتعايش فيه القيم المتناقضة التي تخضع جميعها للنقد العقلي، ولم يعد الماضي بمثابة أفق غير متجاوز أو مثل أعلى يرجع إليه، بل على العكس أمسى عالما ناقصا لا يصلح ليكون مرجعا ولا مرجعية، ومن أهم الأفكار القوية التي بنيت عليها عملية التحرر الديني للفرد فكرة التسامح الديني التي وسعت من مجال الحرية الاعتقادية والتعايش بين الأديان والمذاهب والطوائف.
مع مرور الوقت وضعت الحرية الفردية في الاعتقاد حدا لسيطرة (اللاهوت السياسي) وانفصال السلطة الدينية عن السلطة السياسية. ولم يعد بإمكان أي مؤسسة دينية أن تفرض رؤيتها للعالم، ولا مبادئها ولا أخلاقياتها على المجتمع، كما كان من قبل، وتساوت مع الآخرين في عرض وجهة نظرها فحسب ليأخذ الأفراد بها أو يتركوها. أي أنها انتقلت من تدبير الحياة الاجتماعية إلى مجرد مخازن للمعتقدات ومصلحة لتقديم الخدمات الدينية المتنوعة (كالتعميد والتزويج والدفن) يتوجه نحوها الأفراد باختيار شخصي حر يبنى على شعور روحي خاص أو على فعل ثقافي هوياتي منعكس، أو هما معا. وبذلك دخلت المؤسسات الدينية في أزمة شديدة غير مسبوقة.
ورغم ممانعة الكنائس، انفسح المجال أمام التعدد الديني وتوسع الاعتقاد بوجود حقائق أساسية في كثير من الديانات.
الأزمة التي عرفتها المؤسسات الدينية التقليدية ثلاثية الأبعاد: أولا صارت الكنائس واحدا من الأصوات الدينية وصار لزاما عليها أن تعترف بالأصوات الأخرى وتتعايش معها وتتنافس معها. وثانيا، لأن الطلب الديني للأفراد انخفض بدرجة كبيرة جدا. وثالثا أن هذه المؤسسات أصبحت معرضة للتهديد بالانقراض نتيجة الاختيار الفرداني الحر، حتى صار العدد الأكبر من المتدينين لا يوجدون داخل الكنائس والمعابد ولكن خارجها.
______________

كاتب مغربي

الاتجاه الآخر

آمنة
08-04-2006, 12:59 PM
مقال قوي جدا
الحمد لله